سير الشهداءقصة شهيد

أبو الحسن العدني -تقبله الله- عنوان التواضع ورجل المواقف

بسم الله الرحمن الرحيم


صحيفة النبأ العدد 273

أبو الحسن العدني -تقبله الله-
عنوان التواضع ورجل المواقف


التحق بالدولة الإسلامية في اليمن وجاهد ضمن صفوفها الحوثة المشركين، وقاد جنودها في ولاية البيضاء في أحلك الظروف وقت اشتداد حملة القاعدة وحلفائها المرتدين، تفانى في نصرة المجاهدين وبذل في سبيل ذلك كل ما يستطيع، أصبح قائداً عسكرياً لإخوانه في (قيفة) فغمرهم بحبه وتواضعه الجمّ الذي ليس له شبيه إلا في قصص السلف الأوائل عليه وعليهم شآبيب رحمات الله تترى.

إنه الأخ المجاهد علي الدياني، أبو الحسن العدني تقبله الله، من سكان حي (خور مكسر) في مدينة عدن، ولد عام 1409هـ، حصل على درجة “البكالوريوس” من كلية “العلوم الإدارية” في عدن وعمل بعدها في السوق ليكسب مِن عمل يده، ومع ذلك فقد كان مهتماً بمتابعة أخبار الجهاد والمجاهدين ومنها إصدارات الدولة الإسلامية في العراق والشام آنذاك، وكانت تلك بداياته في السعي للنفير إلى أرض الجهاد.

نفيره والتحاقه بجنود الخلافة في اليمن

بعد دخول الحوثة المشركين إلى عدن، اتصل به أحد إخوانه طالباً منه الانضمام إلى جنود الخلافة في اليمن، فلم يتردد أبو الحسن واستجاب مباشرة لداعي الجهاد، وبعد وصوله إلى أماكن وجود الدولة الإسلامية مكث في إحدى مضافاتها فترة من الزمن يهيئ نفسه إيمانياً يتعلم أمور دينه ويشغل أوقاته بالطاعات صوّاماً في النهار قوّاماً في الليل، كما كان يعدّ جسده بدنياً من خلال ممارسة التمارين الرياضية واللياقة البدنية، وقد كلّفه إخوانه بأن يكون أميراً لإحدى المضافات فكان محبّاً لإخوانه نصوحاً لهم، ثم التحق بدورة عسكرية في أحد معسكرات المجاهدين، ولتميُّزه أثناء الدورة رشّحه إخوانه للانضمام إلى دورة العبوات لينتقل بعدها إلى ولاية البيضاء في منطقة (آل حميقان) برفقة مجموعة من إخوانه، وهناك شارك في بعض العمليات والاشتباكات ضد الحوثة المشركين.

قائداً لإحدى الكتائب غاسلاً لملابس أفرادها!

عندما جاء الأمر من قيادة المجاهدين بالنفير إلى (حضرموت) أسرع أبو الحسن تقبله الله ملتحقاً بإخوانه هناك، ثم طُلب منه العمل في (مأرب) فلبّى وذهب برفقة مجموعة من إخوانه، ثم عاد إلى (حضرموت) مرة أخرى وهناك كلّفه أمراؤه بمهمة تدريب إحدى الكتائب العسكرية فقام بذلك على أتم وجه، ولمّا رأى إخوانه كفاءته ونشاطه كلّفوه بقيادة الكتيبة، وخلال هذه الفترة تمكّن بفضل الله مِن تنفيذ العديد من العمليات ضد المرتدين فأكسبه ذلك مزيداً من الخبرة العسكرية والميدانية.

ومن المواقف التي لا تُنسى خلال فترة قيادته للكتيبة يقول أحد إخوانه: كنّا جالسين في الخيمة بعد تناول طعام الغداء وكان الجو يومها حاراً جداً، وعند نهوضنا للوضوء لصلاة العصر؛ تفاجأنا بأنّ ملابس جميع الإخوة -نحو30 مجاهداً- قد تم غسلها وتعريضها للشمس لكي تجف، وقد تساءلنا عمّن فعل ذلك! وعرفنا لاحقاً أنه كان من صنيع أبي الحسن تقبله الله تعالى، هذا ناهيك عن قيامه المتكرر بالطبخ لإخوانه.

قائداً لكتيبة الفاروق العسكرية في (قيفة)

استُدعي أبو الحسن لاحقاً للعمل في مفرزة العبوات في (حضرموت) حيث عمل فيها لفترة قصيرة ثم أتى أمر بالخروج إلى (مأرب) لأخذ دورة شرعية مطولة، وبعد ثلاثة أشهر عاد تقبله الله إلى ولاية البيضاء (قيفة)، وهناك تم تقسيم المجاهدين إلى كتائب.

في (قيفة) اشتعلت أول معركة بين جنود الخلافة والحوثة المشركين في منطقة (الظهرة) وكان أبو الحسن يومها أميراً على أحد المواقع هناك وقد ثبت مع إخوانه في موقعهم حتى ردّ الله كيد الروافض، وبعد هذه المعركة تم تعيينه قائداً لـ(كتيبة الفاروق) فأبلى بلاء حسناً في قيادته لجنوده وخدمته لإخوانه، وذات مرة حوصر بعض المجاهدين في (الظهرة) فانطلق أبو الحسن مع مجموعة من إخوانه وتمكنوا من فكّ الحصار عنهم.

نائباً ثم أميراً عسكرياً لولاية البيضاء

ومع هذه التجارب والمواقف المتلاحقة ازداد أبو الحسن خبرة عسكرية حتى أصبح ذا رأي عند الأمير العسكري للبيضاء، وبعد غزوة (حمة لقاح الثانية) وسيطرة جنود الخلافة عليها، قُتل نائب الأمير العسكري في البيضاء الأخ أبو صالح العولقي تقبله الله، فتم تعيين أبي الحسن نائباً للأمير العسكري خلفاً لأبي صالح، فكان خير خلف لخير سلف، وقد أوكل إليه الأمير العسكري العديد من المهام بعد أن رأى منه حسن الإدارة والتصرف ومنها مهام التخطيط للعديد من العمليات العسكرية، فوفّقه الله تعالى للتنكيل بالحوثة المشركين في كثير من المعارك والمواجهات، وكثيراً ما كان أبو الحسن يرصد مواقع العدو بنفسه، فما مِن صولة أو سرية تخرج إلا تجده في مقدمتها، ولاحقاً جرى تعيين أبي الحسن أميراً عسكرياً على ولاية البيضاء (قيفة)، فما زاده ذلك إلا بأساً وغلظةً على الكافرين ورحمةً وتواضعاً لإخوانه المجاهدين.

خادماً لجنوده خافضاً جناحه للمؤمنين

حيث كان يتفقد جنوده وإخوانه في مواقع الرباط بشكل متواصل، وكان يُحسن صيد الأرانب والوبر وطائر الحجل، وفي كل مرة يصطاد فيها شيئاً كان يختار موقعاً من مواقع الرباط ويذهب لإخوانه بصيده ويطبخ لهم بنفسه ويتناول طعام العشاء معهم و يجلس يمازحهم قليلاً ليدخل السرور عليهم، ثم ينصرف إلى أداء مهامه.

يقول إخوانه: إنه كان يساعدهم في كل ما يستطيع برغم مهامه العسكرية، فإن وجد مجاهداً يطبخ ساعده، وإن وجد مجاهداً يصلّح دراجته ساعده، وإن وجد مجاهداً يطبّب أخاه ساعده، كالخير أينما وقع نفع، وقد بلغ به التواضع وخفض الجناح للمؤمنين أنه كان يخيط أحذية إخوانه وملابسهم بنفسه وهو أميرهم! أسوة بقادة السلف الأوائل رضوان الله عليهم، وعلى إثرهم كان وما زال قادة وجنود دولة الإسلام وما قصة أبي الحسن تقبله الله إلا غيض من فيض ونقطة في بحر جودهم.

وإضافة إلى تخطيطه وقيادته للعديد من الغزوات ضد الحوثة المشركين، سارع إلى تسجيل اسمه في قائمة الاستشهاديين والانغماسيين حرصاً على أجر الشهادة التي يتمناها كل مجاهد أيقن بعِظَم ثوابها يوم العرض على الله تعالى.

ثبات في وجه حملات القاعدة وحلفائها

وعندما تعرض المجاهدون للهجمة الغادرة من قبل تنظيم القاعدة بالتحالف مع عناصر من الجيش اليمني المرتد؛ كان أبو الحسن هو القائد العسكري في تلك المحنة التي تمثلت بالغدر بالمجاهدين والتآمر عليهم وحصارهم وقطع طرق إمدادهم، وبرغم ذلك كله وحجم المسؤولية الملقاة على عاتقه؛ بقي أبو الحسن متفانياً في جهاده، صابراً محتسباً مستبشراً بموعود الله تعالى لعباده بإحدى الحسنين.

في بداية المعارك مع التنظيم، كان أبو الحسن ينظّم مواقع المجاهدين بنفسه ويحرص على جعلها صفاً واحداً بحيث يحمي كل موقع الموقع الآخر، وبعد اشتداد المواجهات مع التنظيم وحلفائه، أصبح أبو الحسن مشغولاً في البحث عن سبيل لإخراج المصابين من خطوط القتال إلى النقطة الطبية، ورغم الرصد والرماية المستمرة من قبل المرتدين على الطريق، إلا أن الله تعالى يسّر لأبي الحسن مهمته واستطاع إخلاء الجرحى رغم شدة الموقف وخطورة الطريق، ومِن حرصه واهتمامه بحال إخوانه في تلك المحنة، كان يتكفل بأمور الإعاشة الداخلية والإمداد بالذخيرة والعتاد وتأمين الطريق بنفسه دون الاقتصار على توكيل هذه المهام لغيره من إخوانه.

قصص ومواقف الأبطال في أرض النزال

في إحدى المعارك مع تنظيم القاعدة -والذي كان يحضّرها بالتنسيق مع جنود من الجيش اليمني!!- سقط جبل (حمّة عواجة) في أيديهم؛ فانطلق أبو الحسن برفقة مجاهد آخر متوكلين على الله تعال وقاموا بالهجوم على الموقع وتمكنوا من قتل بعض المرتدين واسترداد الموقع بفضل الله تعالى، وفي مواجهة أخرى شنّ التنظيم هجوماً قوياً على نقاط المجاهدين، وكان أبو الحسن قد اتخذ كل الأسباب المادية لصدّ الهجوم، ثم خرّ ساجداً لله تعالى، فرآه أحد إخوانه فسأله: ماذا فعلت؟ فقال له: علينا أن لا نتّكل على العدة والإعداد والأسباب، بل على ربّ الأرباب سبحانه، ولم يمض سوى وقت قليل حتى جاء خبر انكسار العدو وفرارهم مولين الأدبار.

وفي ذات مرة كلّف أبو الحسن أحد الإخوة بترتيب الذخيرة وكانت كثيرة ومبعثرة، فبدأ الأخ بترتيبها لكنه نام من شدة التعب والإرهاق جراء المعارك المتواصلة! يقول الأخ: لمّا استيقظت وجدت الذخيرة كلها مرتبة، ووجدت نفسى مغطىً ببطانية! فسألت مَن فعل هذا لي؟ فعلمت لاحقاً أنه أبو الحسن تقبله الله تعالى.

ويروي أحد الأنصار موقفاً آخر من مواقف أبي الحسن البطولية، وقع خلال صدّ هجوم لمرتدي القاعدة، حيث أصيب الأخ خلال الاشتباك في موقعه وكان أبو الحسن في موقع آخر بعيد عنه، فتراسل الأخ المصاب مع أبي الحسن وأخبره بأنه أصيب، فما كان من أبي الحسن إلا أن توجّه نحو موقع الأخ وسحبه إلى موقع آمن.

مقتل أبي الحسن مقتحماً غمار الحتوف

قام تنظيم القاعدة بحشد جميع عناصره في (قيفة) وتحالف مع خونة القبائل اللاهثين خلف سراب الدنيا بغية شنّ هجوم واسع على مواقع المجاهدين في يكلا (قيفة السفلى)، وقتها كان أبو الحسن قد بلغ به الأمر مبلغاً شديداً مِن همه على إخوانه لكنه لم ييأس ولم يقف مكتوف الأيدي بل قام مع بعض المجاهدين بتنفيذ عدة هجمات معاكسة لتخفيف الضغط على إخوانه، فكانت عملية (عَنَه)، وبعدها عملية مقتل القيادي المرتد “أبو وافي الصريمي” وبعدها بثلاثة أيام كانت غزوة (الحميضة الأولى)، وقد كان لأبي الحسن تقبله الله دور مهم في تخطيط وترتيب هذه الهجمات الموفقة.

وبعد غزوة (الحميضة الأولى) والتي تكللت بسيطرة المجاهدين على مواقع التنظيم، تفاجأ الإخوة بغدر قرية (ذي كالب) من الجهة الخلفية رغم تعهدهم سابقاً بعدم مساندة التنظيم إلا أنه دأب الغادرين في كل مكان، فتحالفوا مع التنظيم ما تسبب بضغط كبير على المجاهدين من هذه الجهة، فجاء الخبر لأبي الحسن بسقوط موقع (خوجان)، فقال أبو الحسن: لم يسقط خوجان، وانطلق كالأسد مع بعض إخوانه ليصدّوا الغادرين، واندلعت معارك شديدة بلغت نحو ستّ هجمات في يوم واحد، وأثناء هذه المعارك الضارية كان أبو الحسن على موعد مع الرحيل ومفارقة هذه الدنيا ليستريح من عناءها ونصبها إلى حيث الراحة الأبدية والنعيم المقيم في دار الخلود بإذن الله.

كان أبو الحسن العدني موضع ثناء أمرائه وإخوانه حياً وميتاً تقبله الله وتلك عاجل بشرى المؤمن، وبرغم حزن إخوانه على فراقه إلا أنهم عقدوا العزم على مواصلة طريقه الوضّاء ودربه الميمون حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.


(وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ)
(سورة المنافقون الآية 8)

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى