الإفتتاحيات

ذلكـــــم خير لكم عند بارئكم

بسم الله الرحمن الرحيم


الإفتتاحية

صحيفة النبأ العدد 273

ذلكـــــم خير لكم عند بارئكم


من أقدم حوادث الردة التي شهدتها جماعة المسلمين في التاريخ وأخطرها اتخاذ طائفة من بني إسرائيل العجل، بعد أن نجاهم الله تعالى من عبادة فرعون وآلهته الباطلة، في مرحلة وسيطة بين الاستضعاف الذي هربوا منه والتمكين الذي استثقلوا تكاليف طلبه وبلوغه، وكان نتيجة تلك الحادثة الشهيرة إنفاذ نبي الله موسى عليه السلام حكم الله تعالى، وهو قتل المرتدين عن دين الإسلام، كما قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 54].

ولعل في هذه القصة التي أوردها القرآن الكريم ردودا قاصمة لكثير من طوائف الكفر والردة في كل زمان ومكان، فيما يتعلق بإقامة الدين وتحكيم شريعة رب العالمين.

فهذه القصة دليل شرعي صريح أن حكم المرتد في شريعة الله سبحانه وتعالى هو القتل، سواء غلظ ردته بحمل السلاح أو الإفساد في الأرض، أم اقتصر على الكفر المجرد، بالقول أو الفعل أو الاعتقاد، وهو كذلك في شريعة محمد عليه الصلاة والسلام، الذي قال: (مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ) [رواه البخاري].

وهذه القصة دليل على أن للإمام إقامة أحكام الدين وحدوده ولو لم يكن ممكنا في الأرض ما دام مستطيعا، كما كان حال موسى عليه السلام وقومه بعد خروجهم من حكم فرعون، وليس كما يزعم أهل الضلال اليوم، والذين وصل الأمر ببعضهم إلى تحريم إقامة إحكام الشرع قبل الوصول إلى مرحلة من التمكين ربما لم تصل إليها أكثر الدول الممكنة القائمة اليوم.

وهي دليل أن حداثة الخروج من تحت حكم الطواغيت ليست عذرا لمن وقع في الشرك الأكبر المخرج من الملة، بل ليس وقوعهم تحت حكم الطاغوت عذرا لمن أشرك بالله العظيم، وليس كما يروج أهل الضلال المعطلين لشرع الله اليوم، بأنهم يمتنعون عن إقامة الدين بعلة أن أهل الإسلام الذين يحكمونهم قد حكموا لعقود طويلة من الطواغيت حتى نسوا الدين وأحكامه، فلا سبيل لإقامة الدين فيهم وهم غريبون عنه، فهذا نبي الله موسى أقام في المرتدين من قومه أقسى أحكام الشريعة وهو القتل، رغم حداثة زوال حكم الطاغوت عنهم.

وهي دليل أيضا أن تأول المشركين في الشرك، وظنهم أنه من دين الإسلام ليس بعذر لهم أيضا، ولا تقليدهم من يعتقدون فيه العلم والصلاح، فالمرتدون من بني إسرائيل صدقوا دعوى المرتد السامري أن العجل هو إله موسى الذي أمرهم بعبادته، فكان نقض دينهم بحكم عقولهم، بكون هذا الصنم جامدا ميتا لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، فكيف يكون إلها؟!، قال تعالى: {فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ * أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا * وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي * قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى} [طه: 88 – 91]، فكان جزاؤهم أن حكم عليهم بأنهم مشركون، وبأن عقوبتهم في الدنيا القتل، حتى تابوا فتاب الله تعالى عليهم.

وهي دليل على بطلان دعوى من يمتنعون عن إقامة الدين بعلة الحاجة إلى جمع الكلمة وتوحيد الصف من أجل الوصول إلى التمكين، ثم التفرغ بعد ذلك لإقامة أحكام الشريعة في الناس، فهذا نبي الله تعالى يأمر المؤمنين من قومه بقتل إخوانهم الذين ارتدوا عن الدين وتلبسوا بالشرك المبين، فيقول لهم: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 54]، وفي ذلك ولا شك تقليلا لأعدادهم، وتفريقا لجمعهم، إذ المشركون خارجون من جماعة الإسلام معادون لها.

وفيها الدليل على أن إقامة الدين وتحكيم شرع رب العالمين من قبل أئمة المسلمين حين قدرتهم عليه فيه الخير كله، في كل آن، وعلى كل حال، وأن الشرّ كله في تعطيل شريعة الله والامتناع عن إقامة دين الله تعالى، مهما زينت للمجرمين شياطينهم ذلك بدعوى المنفعة أو مخافة الضرر، فقد قال نبي الله لقومه بعد أن أمرهم بأن يقتلوا المرتدين منهم: {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ} [البقرة: 54].

وأعظم الخير هو ما ناله البريئون من الشرك بعد إقامتهم لحكم الله تعالى ولمن تابوا من الشرك بأن رضوا بأن يقام حكم الله تعالى فيهم، أن تاب عليهم جميعا وغفر لهم ذنوبهم، كما قال الله تعالى: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 54].

وفيها الدليل أيضا على أن الشرك بالله العظيم سبب لغضب الله تعالى على من فعله، وإصابتهم بالعذاب في الدنيا قبل الآخرة، ومنه عذاب الذلة، وأن الله تعالى يتوب على من تاب من المشركين وأصلح عمله، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ * وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأعراف: 152، 153].

فهذه قبسات من نور الكتاب المبين في شأن الردة عن دين الإسلام، والتغليظ في شأنها، فيها رد على المفترين الظالمين الذين ينكرون حكم الله تعالى في المرتدين بالقتل، وعلى إخوانهم الذين يميعون أحكام الله تعالى أو يعطلونها بشروط ما أنزل الله تعالى بها من سلطان، والحمد لله رب العالمين.


(وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ)
(سورة المنافقون الآية 8)

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى