المقالات

من مداخل الشيطان في الغيبة – غيبة الأمراء وطلبة العلم بدعوى النصيحة

بسم الله الرحمن الرحيم


صحيفة النبأ العدد 272

من مداخل الشيطان في الغيبة – غيبة الأمراء وطلبة العلم بدعوى النصيحة

سلسلة مقالات الغيبة (8)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:

إن المتأمل في بعض مداخل الشيطان على عباد الله الذين تجنبوا براثن الشرك والجاهلية من طلبة العلم والمجاهدين في سبيل الله، ليرى أن الشيطان لما عجز عن صرف هؤلاء عن الخير الذي هم فيه من طلب العلم والجهاد في سبيل الله مع ما حباهم الله من معرفة للتوحيد واجتناب الطاغوت وجهاد أولياءه، وبعد عن المكفرات والبدع؛ فإنه يأتي إليهم من طريق آخر، وعقبة أخرى ألا وهي: إيقاعهم في الكبائر، ومن تلك الكبائر الغيبة التي تأكل ثواب أعمالهم، وتنقص من أجورهم، وربما كانت سبباً من أسباب انتكاستهم؛ خصوصاً إنْ هم أصروا عليها ولم يتوبوا منها والله المستعان.

قال ابن القيم رحمه الله: “إنه -أي الشيطان – يريد أن يظفر به في عقبة من سبع عقبات، بعضها أصعب من بعض، لا ينزل منه من العقبة الشاقة إلى ما دونها إلا إذا عجز عن الظفر به فيها. العقبة الأولى: عقبة الكفر بالله…، فإن اقتحم هذه العقبة ونجا منها ببصيرة الهداية، وسلم معه نور الإيمان طلبه على: العقبة الثانية: وهي عقبة البدعة… فإن قطع هذه العقبة، وخلص منها بنور السنة، واعتصم منها بحقيقة المتابعة، وما مضى عليه السلف الأخيار، من الصحابة والتابعين لهم بإحسان،…العقبة الثالثة: وهي عقبة الكبائر، فإن ظفر به فيها زينها له، وحسنها في عينه، وسوف به، …”[مدراج السالكين].

من مداخل الشيطان في الغيبة

أخي الكريم: إن من مداخل الشيطان في هذه الكبيرة أنه يروج هذه البضاعة النتنة لبعض هؤلاء بحجة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ فتجد الواحد منهم يطعن في أعراض إخوانه، من الأمراء والولاة والمشايخ وطلبة العلم، بدعوى النصيحة! ويزين لهم الشيطان ذلك ابتداء بأن هذا الأمير ظالم، ثم يزين له بأن غيبته جائزة، وليس له حرمه بحجة أنه بظلمه يكون فاسقاً.

أو بأن طالب العلم الذي يساميه ممن نفر مجاهداً معه موحداً لربه مجتنباً للطواغيت ليس أهلاً لهذا! فتجده يغتابه بهذه الحجة، بل وربما اتهمه بعقيدته ومنهجه؛ والله المستعان.

فكن على حذر من هذا العدو المتربص، وذلك بإحسان الظن بإخوانك المجاهدين من أمراء الجهاد ومشايخه وطلبة العلم الصادقين الذين خرجوا يبذلون مهجهم في سبيل الله فهم حقاً أولياء الله الذين أذن الله بحرب من يعاديهم، فقد روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ).

حرمة أعراض العلماء والأمراء أعظم من غيرها

أيها المجاهدون: إن الأصل في أعراض المسلمين الحرمة لقوله عليه الصلاة والسلام: (وأعراضكم عليكم حرام)، ومن أبشع الاستحلال للمحرمات أن يستباح عرض مسلم لكونه طالب علم أو أميرا أو عاملا في مصالح المسلمين، لأن هذه الصفات الزائدة على صفة الإسلام إنما تزيد من حرمة الأعراض، لأن ضرر الكلام فيهم والطعن في أعراضهم متعدي.

فإنّ في غيبة أمراء المسلمين والانتقاص منهم، والطعن فيهم، والسعي في كسر هيبتهم في نفوس الناس؛ أمور تفضي إلى الاستخفاف بأوامرهم، وقد تؤدي إلى استباحة معصية أوامرهم في المعروف، ما يؤدي إلى اضطراب شؤون المسلمين العامة، وانتشار الفوضى في صفوفهم، وخاصة وقت الحرب، حيث يمكن أن يؤدي أي تخلخل أو اضطراب في صفوف المجاهدين إلى تمكن أعدائهم منهم، ما يعود بالخطر العظيم على الإسلام والمسلمين.

وكذلك فإن غيبة أهل العلم وطلابه والانتقاص منهم وتشجيع الجهلة والرعاع على التطاول عليهم بالكلام، كلها أمور تؤدي إلى نقض دين الإسلام، فالطعن في حملة الدين من علماء أهل السنة والجماعة من شأنه أن يصد الناس عن أخذ الدين منهم، وأخذه من الجهلة والأدعياء الذين يفسدون وهم يزعمون إصلاحا وتوفيقا.

ولذلك يجب الحذر من الكلام في أهل العلم عند كل خلاف في الرأي، أو تعارض في القول والاجتهاد، فيترك الأمر لأندادهم من العلماء للردّ عليهم فيما اختلف فيه من الدين، ويكون الكلام في المسألة المختلف فيها لا في قائلها، إلا في حالات خاصة يعرفها أهل العلم، ويمنع الجهلة المتعالمون من التطاول على أهل العلم بالردود الغير منضبطة، لما فيه من تضييع لهيبة العلم الشريف وأهله.

والواجب على أهل العلم أن يراعوا في ردودهم على إخوانهم حدود الشرع وحسن الأخلاق والأدب، فإن الناس ناظرون إليهم، آخذون منهم، فإن رأوهم ينالون من أعراض العلماء بالغيبة والبهتان بدعوى الغيرة على الدين والحرص عليهم، اتخذوهم في ذلك قدوة، ولا يطول الزمان حتى يعود الشرّ عليهم، بعد أن علّموا تلاميذهم أن لا حرمة لعالم ولا كرامة لأمير!

وجوب الردّ إلى العلماء والأمراء

وقد أمر الله سبحانه وتعالى بردِّ الأمور لهم، وعدم الخوض فيها مع غيرهم؛ فلا يجوز لك أخي المجاهد أن تتكلم في الأمور التي تخص جماعة المسلمين مع كل أحد؛ بل الواجب عليك أن تردها إلى مشايخ الدولة وأمرائها؛ فقد قال تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا}، قال ابن تيمية رحمه الله: “وَقَدْ قَالَ الْأَئِمَّةُ: إنَّ أُولِي الْأَمْرِ صِنْفَانِ الْعُلَمَاءُ وَالْأُمَرَاءُ” [مجموع الفتاوى].

قال ابن كثير رحمه الله: “وَقَوْلُهُ: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ} إِنْكَارٌ عَلَى مَنْ يُبَادِرُ إِلَى الْأُمُورِ قَبْلَ تَحَقُّقِهَا، فَيُخْبِرُ بِهَا وَيُفْشِيهَا وَيَنْشُرُهَا، وَقَدْ لَا يَكُونُ لَهَا صِحَّةٌ”[التفسير].

وقال: “وَمَعْنَى قَوْلِهِ: (يَسْتَنْبِطُونَهُ) أَيْ: يَسْتَخْرِجُونَهُ وَيَسْتَعْلِمُونَهُ مِنْ مَعَادِنِهِ، يُقَالُ: اسْتَنْبَطَ الرَّجُلُ الْعَيْنَ، إِذَا حَفَرَهَا وَاسْتَخْرَجَهَا مِنْ قُعُورِهَا” [المرجع السابق].

وقال القرطبي رحمه الله: “أُولُوا الْأَمْرِ: هُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ، وقيل: الْوُلَاةُ، وَقِيلَ: أُمَرَاءُ السَّرَايَا. وقوله: (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) أَيْ يَسْتَخْرِجُونَهُ، أَيْ لَعَلِمُوا مَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْشَى مِنْهُ وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُكْتَمَ”[التفسير].

فمن رأى من أخيه الأمير شيئا يكرهه نصَحه في الله، فإن أبى الإصلاح رفع الأمر إلى أميره، وردّه إليه، ليتولى تقويمه أو رفع الضرر الذي يتسبب به، ولم يجعل من خطأ الأمير أو حتى عدم سماعه للنصيحة مبيحاً لأكل لحمه في المجالس بالغيبة والطعن، فإنه لا فائدة من هذا الكلام، بل كله ضرر، لكون من يغتاب الأمير أمامهم لا يقدرون على تغيير المنكر الذي يفعله، فلا يبقى إلا الأثر السيئ المتمثل في إفشاء العداوات وتوهين صف المسلمين.

وإن رأى طالب العلم من أخيه خطأ في رأي أو زيغاً عن الحق، بيّن الخطأ في القول ووجهه إلى الصواب، دون أن يجعل الأمر قنطرة للكلام في قائله والنيل من عرضه، أو بهتانه بما ليس فيه، والله الموفق.

(وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ)
(سورة المنافقون الآية 8)

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى