الإفتتاحيات

وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً

بسم الله الرحمن الرحيم


الإفتتاحية

صحيفة النبأ العدد 272

وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً


عرف الصحابة رضوان الله عليهم نعمة الله بأن جعلهم مسلمين، وأعانهم على الاجتماع تحت راية خير الأنام، فحكم فيهم شريعة الإسلام، وذلك لأنهم عرفوا الجاهلية وشرورها، وأدركوا الفرق بينها وبين الإسلام والخير الذي يأتي به، ولذلك سأل حذيفة رضي الله عنه عن إمكانية تغيّر هذا الخير إلى شر، فبيّن له النبي عليه الصلاة والسلام، أنّ ذلك سيحدث، وأنّ أمر المسلمين مِن بعده سيتقلب بين خير وشر، وأن الخير الذي سيصيبهم في كل مرة مختلف عن غيره، وكذلك الشر الذي سيصيبهم.

وهكذا حياة الإنسان عموماً، فهي سلسلة من الابتلاءات بالخير والشر، كما قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء: 35]، فأما المفلحون فإنهم يشكرون ربهم سبحانه إنْ أنعم عليهم بالخير، ولا يفرحون بالخير فيتكبرون ويبطرون، ويصبرون عن اتخاذه وسيلة لمعصيته جل جلاله، ويتقربون إليه بالطاعات ليديمه عليهم، ويصبرون إنْ ابتلاهم ربهم بالشر، ويسألونه سبحانه أن يرفعه عنهم، ويتقربون إليه بالطاعات ليبدل حالهم إلى خير، وأما مَن فعل خلاف ذلك فإنه مهلك نفسه لا محالة، {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل: 4 – 10].

والحال التي يعيشها المسلمون لا يمكن وصفها بالخير التام أحياناً، بل إنّ بعض أبواب الخير تفتح أبواباً للشر، وبعض أبواب الشر تفتح أبواباً للخير، فالمسلمون في حال شدتهم وتسلط الأعداء عليهم يرجعون إلى دينهم ويتمسكون بجماعتهم ويحرصون على جهادهم ويزهدون في الدنيا ويطلبون الآخرة، فتقوى عزائمهم، ويشتد ساعدهم، ويقهر الله تعالى عدوهم على أيديهم، فيُخرجهم من حال الشدة والشر إلى حال الرخاء والخير بعد أن يفتح عليهم.

وعندما تفتح لهم الدنيا فإنه يظهر فيهم الترف، ويصيبهم الحرص على المتاع الزائل، من مال وجاه ورياسة وأتباع وغيره، فيتنافسون عليه، ويتنازعون لأجله، فيتفرق جمعهم، ويضعف جهادهم، ثمّ لا يلبثون أنْ يُصيبهم الوهن، ويتغلب عليهم عدوهم ويصيبهم الشر حتى يرجعوا إلى دينهم، ويجاهدوا في سبيل الله تعالى حق الجهاد.

وقد جاء مصداق ذلك في أدلة كثيرة منها قوله عليه الصلاة والسلام: (فَوَاللَّهِ مَا الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ) [متفق عليه]، وغيره من الآيات والأحاديث.

وقد رأينا شاهداً على ذلك في حياة المجاهدين خلال السنوات الماضية، فقد بدأوا جهادهم وهم قلة ضعفاء يخافون أن يتخطفهم الناس، ويستهزئ بجهادهم المنافقون، فصبروا على جهادهم وقسوة معركتهم مع أعدائهم وخذلان المسلمين لهم، حتى هزم الله جيش أمريكا الصليبي على أيديهم ومكن لهم في الأرض، فأعلنوا قيام دولة الإسلام في العراق، وبدأوا بتحكيم شرع الله تعالى في الأرض.

ثم ظهرت الصحوات وغدرت الفصائل وضاقت الأرض بما رحبت على المجاهدين وصاروا بين قتيل وسجين وطريد.

وهكذا استمر حالهم سنين حتى فتح الله تعالى عليهم مناطق واسعة من الشام والعراق ومكن لهم فيها أشد مما كانوا عليه في تمكينهم الأول، وأعلنوا إقامة الدين وإعادة الخلافة الإسلامية، والتحق بهم المجاهدون من مشارق الأرض ومغاربها، حتى صارت راية الدولة الإسلامية ترفرف في كل الأنحاء، وعمليات جنودها تضرب المشركين في كل أقطار الأرض.

فتحالف عليها الكفار والمرتدون من كل الملل والنحل، فقاتلهم جنودها على دينهم وأنفسهم وأعراضهم قتال الأبطال، رغم قلة عددهم وضعف عدتهم، حتى قضى الله أمراً كان مفعولا.

وكان ذلك كله وما جاء بعده مِن قتل وأسر وإصابات مِن الابتلاء بالشر الذي نحن موقنون أنّ مِن بعده ابتلاء جديداً بالخير يمنّ به الله تعالى على عباده بفتح أعظم وتمكين في الأرض أكبر، ودخول الناس في جماعة المسلمين أكثر، ليرى الله تعالى من عباده -بإذنه سبحانه- ما يحب مِن شكر للنعمة واستعمال ما أعطاهم في طاعته، كما رأى منهم بحمد الله صبراً على الابتلاء بالشر لمّا تمسكوا بدينهم، وثبتوا على توحيدهم، بفضله جل جلاله.

(وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ)
(سورة المنافقون الآية 8)

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. للمزيد حول هذا الموضوع
    راجع كلمتي الشهيد أبي مصعب الزرقاوي تقبله الله,

    وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لها العاقبة
    و
    القابضون على الجمر

  2. للمزيد الكلمة الصوتية للشهيد الخليفة الأول أبي بكر البغدادي تقبله الله
    (وبشر الصابرين)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى