الدولة الإسلامية نشأتها وتاريخهاالكتب والمقالات

سِلْسِلَةُ خَيْبَاتُ الكَافِرِيْنَ فِيْ الحَرْبِ عَلَى الدَّولةِ الإسْلاَمِيَّةِ

بسم الله الرحمن الرحيم


مؤسسة صرح الخلافة الإعلامية

يقدم

سِلْسِلَةُ خَيْبَاتُ الكَافِرِيْنَ فِيْ الحَرْبِ عَلَى الدَّولةِ الإسْلاَمِيَّةِ

سِلْسِلَةٌ صَادِرَةٌ عَنْ صَحِيْفَةِ النَّبَأِ، تَسْرُدُ تَارِيْخَ الدَّوْلَةِ الإِسْلَامِيَّةِ وَصِرَاعَهَا مَعَ مِلَلِ الْكُفْرِ


Please wait while flipbook is loading. For more related info, FAQs and issues please refer to DearFlip WordPress Flipbook Plugin Help documentation.


التفريغ:

سِلْسِلَةُ “خَيْبَاتُ الْكَافِرِيْنَ فِيْ الْحَرْبِ عَلَى الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة” (١-٤)

سِلْسِلَةٌ صَادِرَةٌ عَنْ صَحِيْفَةِ النَّبَأِ

تَسْرُدُ تَارِيْخَ الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة وَصِرَاعَهَا مَعَ مِلَلِ الْكُفْرِ.

 1442هـ

خيباتُ الكافِرينَ

فِيْ الحَربِ عَلَى الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة 1

بعد الهزيمة المذلّة التي تلقّاها الجيش الأمريكي الصليبي فِيْ معركة الفلوجة الأولى، تحوّلت المدينة إِلَى حالةٍ هي أقرب للتّمكين، وبات المجاهدون يتحرّكون داخلها بحريّة، ويلتقون بالنّاس، ويدعونهم إِلَى دين الله تعالى ويحرّضونهم عَلَى نصـرتهِ، وحتَّى الفصائل الّتي سعَت لجعْلِ تلك المعركة مطعنًا ضدَّ المجاهدين باتِّهامهم بتدمير المدينةِ والتّشنيع عَلَى قرار المواجهة الّذي اتّخذوهُ ضدَّ الصّليبيّين باتت تستغلّ ما أُتيح فِيْ المدينة من حرّيّةٍ فِيْ إدارة بعض شؤونها.

وعندها أحسّ الصّليبيّون بالخطر الدّاهم الّذي يتهدّدهم ويتمثّل بتغيّرِ قناعة المجاهدين من الاستمرار فِيْ حرب كرّ وفرّ لا نهاية لها، إِلَى التّفكير جدّيًّا فِيْ قطفِ ثمار الجهاد ولو بشكل مرحلي، من خلال فرض التّمكين فِيْ ما أمكن من الأرض ولو جزئيًّا، ثم توسيع مناطق التّمكين روَيدًا رويدًا، وعدم انتظار تحقيق النَّصر النّهائيّ لفرض هذا الواقع عَلَى الأرض.

والحقيقة أنَّ هذا ما كان يدورُ فِيْ أذهان أمراء المجاهدين آنذاك وعلى رأسهمُ الشَّيخُ أبُو مُصعَب الزَّرْقَاوِيّ ، خاصَّةً أنّ الجيش الأمريكيّ كان قد دخل فِيْ مرحلةِ انكفاءٍ إِلَى القواعدِ العسكريّة والمدن الكبرى تاركًا للمجاهدين حرّيّةَ الحركة فِيْ المناطق الرّيفيّة والصّحراويّة الواسعة الممتدّة من ديالى شرقًا إِلَى بادية الأنبار غربًا، بل كان من مناطق حزام بغداد ما قد حرّم دخولهُ عَلَى الصليبيّين والمرتدّين.

ولهذا كانت معركةُ الفلُّوجة الثّانية الّتي حشدت لها أمريكا وحلفاؤها عشرات الألوف من الجنود، ضدّ مئات من المجاهدين، وكان القرار بإخراجهم من المدينة مهما كان الثّمن، واستخدموا فِيْ سبيل ذلك أَفْتَكَ أسلحتهم وأشدّها تدميرًا، وتحمّلوا الخسائر الكبيرة مادّيًّا وبشريًّا عَلَى يد القلّة الصابرة من الموحّدين، وجنّدوا أولياءهم من الإخوان المرتدّين والصّوفيّة وغيرهم لتخذيل المجاهدين وطعنهم فِيْ ظهورهم، حتّى اضطروا للخروج من المدينة المدمّرة بعد أن خاضوا فيها ملحمة من ملاحِمِ الجهاد الكبرى فِيْ هذا العصر.

منَ المَدينةِ إِلَى الدَّولة

ولم تنجح إرادة أمريكا فِيْ جعل «الفلّوجة الثّانية» درسًا قاسيًا لكلِّ من يفكّر بالتمكّن من الأرض، إذ كان سعي المجاهدين فور انتهاء تلك المعركة منصبًّا عَلَى اختيارِ أَصْلَحِ المناطق فِيْ العراق لتركيز الثِّقَلِ الحربيّ عليها فِيْ المرحلة المقبلة، فِيْ سبيل طرد الصّليبيّين والمرتدّين منها، وإقامة دين الله تعالى وأحكامه فيها، وجعلها مأمنًا للمجاهدينَ يأوُون إليه، ومنطلقًا لفتوحاتِهم يغزون منهُ، وقد كانت الخيارات فِيْ أيديهم متعدّدةً آنذاك بحمد الله، فكان عليهم المفاضلة بين مناطق ريف الأنبار المنفتحة عَلَى باديتي الجزيرة والشامية، ومناطق حزام بغداد الكثيفة الأشجار الحسنة الاتصال بكل المناطق الأخرى، ومدينة الموصل وريفها الجنوبي البعيدة عن بغداد، ومناطق ديالى الرّيفيّة المَنِيعة، بطبيعة أرضها ورجالها، وهي الّتي وقع عليها فِيْ النّهاية الاختيار، وانتقل إليها الشَّيخ أبُو مُصعَب للاستقرار فيها، وإطلاق مشروع الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة منها، حين قدّر الله تعالى أن يُقتَلَ  عَلَى أرضها قبل الإعلان عنه، ودعوة النّاس للانضمام إليه.

ولكن المشروع الذي عمل عليهِ الشَّيخُ وإخوانهُ وأقاموا بُنيانه وهيّؤوا مقدّماتهِ لم يتوقف بمقتله  ، كما لم يتوقف من قبل بأسر الشَّيخِ أبِي عَلِيّ الأَنبَارِيّ القُرشِيّ أميرِ مجلس شورى المجاهدِينَ الَّذي كان مرجّحًا أن يتولى إمارة الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة القادمة، وهكذا لم تمضِ شهور عَلَى تولِّـي الشَّيخِ أبِي حَمزَةَ المُهَاجِر  إمرة المجَاهدِين، حتّى أعلنَ حلّ تنظيمِ القَاعدة فِيْ بلاد الرافدين وجَعلِ 12000 من مجاهدِيهِ تحتَ إمرةِ أميرِ دَولَةِ العِراقِ الإسْلامِيَّة الشَّيخ أبِي عُمَرَ البَغدَادِيّ  ، والّذي صار وزيرَ حَربِهِ، لتقوم الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة -بحمد الله- رغمَ أنفِ الصّليبيّين والمرتدّين.

الصحوات

فكان ردُّ الصّليبيّين السّريع أن يتفرّغوا لإنهاء وجودها وتقديم ذلك عَلَى كلِّ أمر آخر لديهم، لضمان الانسحابِ من العراق بأقلِّ الخسائر خاصَّةً أنَّ ملامح هزيمتهم هناك باتت باديةً للعيان، فحشدوا عشراتِ الألوف من الجنود جلبوهُم من ساحة أفغانستان ومناطقَ أخرَى، وصرفوا للأمرِ ميزانيّةً عاجلةً قدّرت بأكثر من 10 مليارات من الدّولارات، وقرّروا التّصالحَ مع كلِّ الفصائل المقاتلة فِيْ العراق الّتي توافقُ عَلَى الدّخول فِيْ معركة وأد الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة الوليدة ودعمهم لتحقيق ذلك، فأطلقوا سراح معتقليهم من السّجون، وأوعزوا لأذنابهم من طواغيت الخليج أن يفتحوا عليهم بوّابة التّمويل الغير محدود تحت غطاء الجمعيات الخيرية وهيئات نصرة المجاهدين فِيْ العراق، وأعطوهم الحرّيّة فِيْ الحركة والانتشار العسكريّ فِيْ مختلف المناطق، و منحوهم الإذن للسّفرِ وعقد الاجتماعات مع مختلف الأطراف داخل العراق وخارجه، لحشد المؤيّدين لهم، وتحريض كلّ من يسمع منهم عَلَى الطّعن فِيْ الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة وإباحة قتالها تحت دعاوى الغلوّ والبغي والخارجيّة والعمالة لمختلف الأطراف الّتي تحاربها وغير ذلك من الأكاذيب الّتي لا تزال تستعمل لهذا الغرض فِيْ كلّ حين.

وتمكّنَ الصّليبيّون والمرتدّون من إجبار المجاهدين عَلَى الانحياز من مناطق تمكينهم وانتشارهم تحت وطأة القصف والإنزالات من الجوّ وغدر الصّحوات وخياناتهم عَلَى الأرض، واضطرّ كثير ممن نجا منهم من القتل والأسر إِلَى الاختباء أو الانتقال إِلَى الصّحاري والبوادي، لتقليل الخسائر وإعادة ترتيب الصّفوف، وفي الوقت نفسه استمرَّ الجهد الاستخباراتيّ للصّليبيّين منصبًّا عَلَى الوصول إِلَى وزراء الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة وأمرائها وطلبة العلم فيها، فاستحرَّ القتل والأسر فيهم، وضاقت الأرض عَلَى المجاهدين بما رَحُبَت، وبلغت قلوبهم الحناجِر، حتّى بلغ الضيق بهم أشدهُ بتوصُّلِ أعداء الله تعالى إِلَى معرفةِ مكانِ الشَّيخين، حيثُ قُتِلا -تقبلهما الله تعالى- بعد أن آثَرَا القتلَ عَلَى الأسر، فِعلَ ذوِي العَزمِ من أتباعِ المرسلين، وذلك فِيْ أواسط العام 1431 هـ.

الاحتفَالُ المُبكّرُ بنهايَةِ دَولةِ العِراقِ الإسلاميَّة

وفور الإعلان عن مقتل الشَّيخَين بدأ الانسحاب الأمريكيّ من العراق، ولتحتفل أمريكا بهذا الأمر، ويزعم طواغيتها أنهم أنهوا الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة فِيْ العراق، بإجبار مجاهديها عَلَى الانحياز من مناطق تمكينهم، وتسليمها للرّوافض والصّحوات لمنع عودتهم إليها، وقتل خيرة مجاهديها وأمرائها وأهل العلم فيها، ثم قتل أميرها ووزيره، وظنُّوا أنهم شتّتوا بذلك شملَ من بَقِيَ منهم بأن يصعب منهم الاجتماع عَلَى أمير واحد وتحت راية واحدة مرّةً أخرى، وسرعان ما يدخل بينهم الخلاف والتّنازع، فيفشلوا وتذهب ريحهم كمن خلوا قبلهم من أتباع التّنظيمات والجماعات المرتبطة بشخص قائدها فتموت بموته، أو تتفكك من بعده، أو تنحرف عن خطها القديم لتكون شيئًا آخر غير الذي كانت عليه فِيْ حياته، ولم يعلموا أن ربّنا سبحانه قد أبقى لهم ما يسوؤُهم ويدخل الرّعبَ والأسى إِلَى قلوبهم ولو بعد حين، ويمكرون ويمكر الله تعالى والله خير الماكرين.

إذ وفّق  أمراء المجاهدين عَلَى الاجتماع عَلَى بيعة الشَّيخ أبِي بَكْرٍ البَغْدَادِيّ  ، واختياره أميرًا لدَولةِ العِراقِ الإسلاميَّة، وتبعهم عَلَى ذلك عامّة مجاهديها، وأعانهم سبحانه عَلَى إحياء الجهاد فِيْ العراق من جديد، لتعصف رياحه بخيام المرتدين من بعد أن ظنوها قد سكنت، وتلفحهم ناره المشتعلة وقد حسبوا أنها خمدت، فيسّر الله تعالى فكاك أسر كثير من المجاهدين، وهدى بعض من كان قاعدًا للالتحاق مجدّدًا بمعسكرات الإعداد وتجمّعات المجاهدين فِيْ جزيرتي الموصل وسامراء وبادية الأنبار.

خيبات الكَافرينَ

فِيْ الحَربِ عَلَى الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة 2

2 كسرُ حصار دولة العِراق الإسْلاميَّة

الحمد لله والصلاة والسلام عَلَى رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين.

تكملة للمقال السابق فِيْ سرد بعض خيبات الكافرين فِيْ حربهم عَلَى الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة؛ فبعد المحنة التي أصابت المجاهدين فِيْ العراق والّتي بلغت ذروتها بمقتل الشّيخين (تقبلهما الله) وما تبع ذلك من تطورات وأحداث وصولاً إِلَى مبايعة الشَّيخ أبِي بَكر البَغْدَادِي (تقبّلهُ الله) أميراً عَلَى الدولة.

بدأت خطة الصّليبيين -لمنع استعادة المجاهدين قوتهم- بالانهيار، والّتي تمثّلت بتكليف الصّحوات والرّوافض بالضّغط عليهم داخل العراق، وضمان تنفيذ الطّواغيت فِيْ دول الجوار خطّة الحصار لمنع وصول المدد من مجاهدين وسلاح وأموال إليهم، وذلك أن نشبت الصّراعات بين الرّوافض والصّحوات، وبين الرّوافض ومرتدّي كردستان، وبين الرّوافض أنفسهم، عَلَى المكاسب والمناصب، فسلّطَ الله بعضهم عَلَى بعض بدل تسلّطهم جميعًا عَلَى المسلمين، وصار بعضهم يتآمر عَلَى بعض بدل تآمرهم سويّة عَلَى المجاهدين، وغدا همُّ كل منهم أن يفشل منافسوه، وأن يظهر العيب والضعف فِيْ قدرات مخالفيهِ، وأن تذهب الموارد والمكاسب من يد منازعيه ولو لم تصل إليه.

واستفاد المجاهدون -بفضل الله- من هذا النصـرِ الإلهيِّ لهم أيما استفادة، فغدت حرّيّةُ حركتهم أكبر، وبطش ضرباتهم أشدّ، وإمكاناتهم المادّيّة والبشريّة أفضل، وقدراتهم عَلَى بسط هيمنتهم وإنفاذ كلمتهم أكبر.

وفي الوقت نفسه يسّر الله تعالى تخلخلَ جدار الحصار عليهم من قِبَلِ الشّام، بأن بدأت المظاهرات فيها، وانشغل الطّاغوتُ وجنوده بتحصين المناطق المركزيّة، وسحب قواته إليها، مهملا المناطق الحدودية البعيدة الّتي بدأ يفقد السيطرة عليها شيئًا فشيئًا، حيث بدأت مفارز التّنسيق داخل الشّام تعاود العمل بنشاط من جديد، خاصة بعد إرسالِ أمِيرِ المؤمنينَ مجموعة من جنوده لتأسيسِ جماعة مقاتلةٍ فِيْ الشام، تناصرُ أهله وتجاهدُ المشركين فيه، ليتحقّقً للدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة -بفضل الله تعالى- فتحٌ كبيرٌ، تمثّلَ بامتداد عملها خارج حدود “سايكس – بيكو” الّتي حاول المشركون حصرها داخلها.

وباتت ساحة الجهاد الجديدة نافذة يتنفس منها الجهاد فِيْ العراق، دخلت منها أفواج الاستشهاديين والانغماسيّين، وكسر بواسطتها حظر السلاح والمعدات المفروض عليهم منذ سنين، خاصة بعد أن أصبحت ساحة العراق شحيحةً بالسِّلاح الذي استنفدته 10 سنين من الحرب الطّاحنة مع الصّليبيين والمرتدّين، وتسليم الصحوات أسلحتهم، ودلالتهم عَلَى مخازن المجاهدين.

إجراءاتٌ وقائيَّة من الصليبيين

وسرعان ما أدرك الصليبيون وأذنابهم الطواغيت خطورة دخول مجاهدي الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة إِلَى ساحة الشام، وتمكنهم من فتحها عَلَى ساحة العراق، فسارعوا إِلَى وضع الخطط للعمل عَلَى إخراجهم من الشام أولاً، وحصرهم مرة أخرى داخل العراق، ثم العمل عَلَى تطويقهم وقطع طرق الإمداد التي فتحت لهم عن طريق توظيف الصحوات كحرس حدود، يقومون بوظيفة منع انتقال السلاح والمال والرّجال من الشام إِلَى العراق بذرائع شتى، بعدما استقال النظام النّصيري من هذه الوظيفة احتجاجًا منه عَلَى الدعم الإعلامي والمالي الذي قدمته الدول الصليبية وأتباعها المرتدون فِيْ المنطقة للثائرين عليه.

ومنذ بدايات تلك المرحلة بدأ الترويج لأفكار تمهيدية لهذا المشروع، من قبيل أنّ ساحة الشام تختلف عن ساحة العراق، وأنّه يجب أن لا تكرر فيها أخطاء العراق، وأنّه من الضروري أن يتفرغ مجاهدو العراق لساحتهم، وأنّه من الخطر السّماح بخروج السّلاح والرّجال لإمداد الجهاد فِيْ العراق لأنّه سيضعف ساحة الشّام، بل تعدّى الأمر إِلَى الطّعن فِيْ جهاد مجاهدي العراق واتهامهم بالتّسبّب فِيْ سيطرة الرّافضة عليه وتبرئة الصّحوات الّتي كانت تجاهر بالتّحالف مع الصّليبيين من كل جرم، وتسميتهم بالمجاهدين، وذلك كله للضّغط عَلَى المجاهدين من جهة، وتهيئة الأمور لإخراجهم من الشّام عنوة إن لم تفلح وسائل الضّغط الأقلّ عنفًا فِيْ ذلك.

مشرُوعُ الفِتنةِ الدَّاخليَّة

بل لن نبعد النّجعة لو قلنا أنّ مشروعَ شقِّ صف المجاهدين فِيْ الشَّام باستخدام بعض قليلي الدّين والوفاء منهم آنذاك وعلى رأسهمُ المرتدّ الجولانيّ كان جزءًا من ذلك المخطّطِ الكبير، فقد أحاط بالغادر آنذاكّ مجموعة من دعاة السوء المرتبطين بأجهزة استخبارات الطّواغيت من “الكويت” و”قطر” عَلَى وجه الخصوص، وبدؤُوا يدعون إِلَى شقّ الصف، ويَعِدُونَ الجولاني وأتباعه بملايين الدولارات من أموال الدعم ستقدّمُ إليهم إن هم ابتعدوا عن الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة، فِيْ الوقت الذي كانت رسائل التّوصية تخرج من جهة “أحرار الشّام” إِلَى الظّواهري تدعوه للضّغط عَلَى الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة وإخراجها من الشّام بأي وسيلة، وتُمَنِّيهِ بالانضواء تحت إمرته فِيْ حال تحقّق ذلك، وكان قادتهم يطوفون عَلَى الجماعات المقاتلة التي يظنّون أنها مُقبِلَةٌ عَلَى الانضمام إِلَى الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة ويسعون جهدهم لحرف أمرائها عن ذلك، يَعِدُونهم بالدعم الغير محدود لهم إن ابتعدوا عن الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة ويخوّفونَهم بالحرب عليهم إن هم دخلوا صفوفها.

وجرى شقُّ صفِّ الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة، ولكنَّ هذا الحدث الَّذي توقّع له كل من عمل عليه أن ينهي تمامًا وجودها فِيْ الشام بل سيؤثّر حتّى عَلَى وجودها فِيْ العراقِ بتهديد وحدة الصّفّ هناك لم يحقّق لهم ما كانوا يحلمون به، فقد استبدل الله تعالى الغادرين وحزبهم بآلاف من المجاهدين من عدة جماعات كان فرحها شديدًا بابتعاد الجولانيّ وأتباعه عن الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة بعد ما عاينوه من كذبهم وغدرهم وتكبّرهم وخيانتهم للمجاهدين فِيْ كل مرّة استأمنوهم فيها عَلَى غنائم غزوة مشتركة أو استودعوهم فيها سلاحهم أو أموالهم، وكان ذلك هو المانع من انضمامهم إِلَى الدَّوْلَةِ الإِسْلامِيَّة قبل ذلك، وكذلك فإن الغادرين عندما خرجوا تبعهم غالبُ من ضمّوه إِلَى الجماعة من أهل المناهج المنحرفة التي أريد أن تصبح منهجًا وعقيدة للدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة وجنودها، لولا أن وقاها الله من هذا الأمر ويسّرخروج هذه الطائفة الضالة المضلة من جماعتها، وخرجت من هذه المحنة بحمد الله أصلب عودًا وأقوى وجودًا مما كانت عليه من قبل، خاصة بعد الإعلان عن وجودها فِيْ الشام أيضًا، باتخاذ مسمى (الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة فِيْ العراق والشام)، والذي تأخر قرابة السنتين حتى تهيئة الأمور لهذا الإعلان المبارك.

خَيباتُ الكافِرينَ

فِيْ الحَربِ عَلَى الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة 3

تبدُّد أوهامِ الكَافرينَ بعد كسْرِ الحُدودِ

بعد بفشل مشروع شقّ الصّفّ والفتنة الدّاخلية، فِيْ إخراج الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة من الشّام، بدأ الصليبيون ومخابرات الطواغيت العمل عَلَى تكرار مخطط الصحوات الّذي سبق أن جربوه فِيْ العراق، وظنّوا أنّه سيؤتي النتائج نفسها فِيْ الشام، وقد كان جنود الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة وأمراؤُها مدركين منذ بداية الجهاد فِيْ الشام أنّ هذا المخطط سيُطبق بحذافيره هنا أيضاً، فبدؤوا الاستعداد له منذ البداية بتوعية المجاهدين به، ودلالتهم عَلَى صفات الفصائل المرشّحة للعب هذا الدور، وتنشيط العمل الاستخباراتيّ لجمع المعلومات عنها، بل واستباق ظهورها بضرب من أمكن من رؤوس الرّدّة وتفكيك ما أمكن من تلك الفصائل، وهو ما نجح فيه المجاهدون فِيْ مختلف المناطق، ولكن ما غفلوا عنه هو إمكانية دخول “تنظيم القاعدة” فِيْ مشروع الصّحوات! وانضمامها إليه، وموالاتها للمرتدّين فيه ضدّ الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة، وهو ما شكّل ثغرةً كبيرةً فِيْ الخطّة الوقائيّة الّتي وُضعت لِوَأْدِ هذا المشروع النّجس، رغم ظهور ملامح توحي بتحرّكهم فِيْ هذا الاتّجاه من قبل.

بدأت حرب الصّحوات عَلَى الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة بحملة تشويه إعلاميّ واسعة، وعمليّات خطف واغتيال للمجاهدينَ فِيْ مختلف المناطق، واجتماعات بين قادة الفصائل المرتدّة ومسؤولين صليبيّين لأخذ العهود وتقديم الدّعم والتّمويل، وتنسيق وتوزيع الأدوار بين مختلف الفصائل، فصائل تتولّى القتال ومداهمة مقرّات الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة وهي غالباً من فصائل “هيئة الأركان” سواء المرتبطة منها بالمخابرات الأمريكيّة مباشرة والّتي تنضوي تحت مسمّى “الجيش الحر”، أو المرتبطة بالمخابرات التّركيّة والقطريّة والسّعوديّة وتُضفي عَلَى نفسها صفة “الإسلاميّة”، وفصائل أخرى تدّعي الحياد والسّعي للصّلح يقع عَلَى عاتقها مهمّة تقطيع الطّرقات ومنع وصول المؤازرات للدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة فِيْ المناطق الّتي تتعرّض للهجوم، ومهمّة سدّ نقاط الرّباط عَلَى الجيش النصيري أثناء تفرّغ شركائهم لقتال المجاهدين، ومهمّة تخذيل المجاهدين عن قتال المرتدّين وإقناعهم بتسليم أنفسهم ومقرّاتهم وأسلحتهم والخروج من الشّام، وكانت مهمّة تنظيم القاعدة فِيْ مشروع الصّحوات ضمن هذه الأدوار.

وهكذا خرجت الصحوات، بينما كان جنود الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة منشغلين بالغزوات الكبرى ضد النّصيرية، كغزوة فتح مطار (منغ) فِيْ حلب وغزوة (مستودعات الحمراء) فِيْ حماة، وغزوة (مستودعات عياش) قرب مدينة الخير، وحيث كانت الاستعدادات وعمليات الاستطلاع تجري لتنفيذ غزوات أخرى عَلَى (فوج الميلبية) فِيْ البركة ومطاري (الطّبقة) فِيْ الرّقة و(كويرس) فِيْ حلب وغيرها من المواقع العسكريّة، وتمكّنَ المجاهدون -بفضل الله تعالى- من الإفلات من المصائد المحكمة الّتي أريد من خلالها إبادتهم والقضاء عليهم، ويسّر الله لهم الانحياز من المناطق الشّماليّة والغربيّة إِلَى المنطقة الشرقيّة، وفرح الصّحوات وأولياؤهم من الصّليبيّين والمرتدّين بهذا الإنجاز الكبير، وتصوّروا أنه انحياز من الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة إِلَى جهة العراق، كتمهيد للخروج نهائياً من الشام، خاصة بعد أن بدأ هجوم الصحوات فِيْ المنطقة الشرقية أيضاً، وظنّ المخذولون أنهم سيحصدون منه النّتائج نفسها التي حصدوها فِيْ المناطق الأخرى.

ومن حيث كانت تلك النّتائج مضرّة للدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة من جانب؛ بمقتل وأسر كثير من المجاهدين، واضطرارها لترك مناطق واسعة من الأرض، فإنها من جانب آخر كان لها نتائج إيجابيّة كبيرة أيضاً، أبرزها تجميع مجاهدي الشّام فِيْ منطقة واحدة متّصلة، وحشد قوّتهم وطاقتهم فيها، ما سهّل لهم -بفضل الله- كسر شوكة الصّحوات عندما خرجت فيها، وبات للدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة لأول مرة مناطق تمكينٍ حقيقيَّة، أقيم فيها الدين وحُكّم فيها شرع رب العالمين، وأصبحت الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة واقعاً عَلَى الأرض رغم أنوف الكفار والمرتدين، وانقلب حلم الصّحوات إِلَى كابوس مرعب، خاصّة مع ما تمتلكه المنطقة الشرقيّة من إمكانات كبيرة للدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة ماديّة وبشريّة، والأهمّ من ذلك كلّه الاتّصال مع العراق الّذي كان عَلَى موعد قريب من فتوحات كبيرة -بحمد الله- غيّرَت خارطةَ العالم كلّه، لا خريطة المنطقة فحسب.

فبينما كانت الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة تُثبّت وجودها فِيْ الشّام، وتستفيد من هذا التّواجد القويّ فِيْ دعم جهاد العراق ومدِّه بما يحتاج من المال والرّجال والسّلاح والخبرات، كان مجاهدو العراق قد ازدادت قوتهم كثيراً، وباتت صولاتهم تقترب من أطراف المدن أكثر، حتى يسّر الله تعالى لهم البدء باقتحامها، مستفيدين من حالة الصّراع داخل الحكومة الرافضيّة والأطراف العديدة المرتبطة بها، من صحوات وبيشمركة وأحزاب سياسية متنازعة.

فتمَّ لهم فتح الفلّوجة واقتحام الرّمادي والسّيطرة عَلَى قسم منها، ثمّ الانتشار فِيْ مناطق شمال بغداد وصلاح الدّين تمهيداً لغزوة الفتح الكبرى، باقتحام المجاهدين لمدينة سامرّاء، ثم مدينة الموصل، ففتحها الله عليهم، وحدث الانهيار الكبير فِيْ صفوف الرّافضة، فِيْ مختلف مناطق نينوى وصلاح الدّين والأنبار وديالى وكركوك، وبات جنود الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة يلاحقون فلولَ الرافضة أسراً وتقتيلاً، والمدن والمناطق تتساقط فِيْ أيديهم تباعاً، حتّى باتوا عَلَى أطراف بغداد وحدود إيران، وانهارت قوات حرس الحدود الرّافضية واختفت فِيْ الصّحاري مستبقةً هجوم المجاهدين عليها، واستيقظت الدّنيا عَلَى خبر كسرِ حدود (سايكس- بيكو) بين الشّام والعراق، وتوحيدِ رقعة الأرض الممتدّة من حدود إيران إِلَى أطراف دمشق وحمص وحماة، ومن حدود تركيّا إِلَى أطراف جزيرة العرب، تحت ظلِّ دولةٍ واحدةٍ هي الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة، وتحت حكم إمامٍ واحِدٍ هو الشَّيخ أبُو بكْر البَغدادِيّ (تقبله الله).

وبالرّغم من أهمية فتح الموصل والمناطق الواسعة من العراق، لكون الموصل مدينة كبرى ذات إمكانات عظيمة، والمناطق المفتوحة تعادل مساحتها مساحة دول، فإن هذه الأهمية تضاعفت لتزامنها مع الفتوح الواسعَة فِيْ الشام، حيث سيطر جنودُ الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة عَلَى مدينة الرّقّة ومدن أخرى، ومناطق واسعة من البركة والخير وحلب وبادية الشّام، والأهمّ من ذلك إزالة الحواجز والحدود المصطنعة بين المنطقتين، الأمر الّذي خلق مساحة تمكين كبيرة للدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة، تتوفّر عَلَى إمكانات دولة قويّة بشريًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا.

وهذا الأمر راعى تكاليفهُ الشّرعيّةَ أمراءُ الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة، كما أدركوا أهمّيّتهُ الزّمانيّة والمكانيّة، فبادروا إِلَى توظيفه فوراً فِيْ إقامة واجبِ الأمّة المضيّع، وهو إعادةُ منصب الإمامة الّذي تعتصم به جماعة المسلمين، فاجتمعوا عَلَى اختيارِ الشَّيخِ أبِي بَكرٍ البَغدادِيّ (تقبله الله) أمير الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة فِيْ العراق والشام؛ إماماً للمسلمين وأميراً للمؤمنين، واستجاب لذلك أشتات المجاهدين فِيْ مشارق الأرض ومغاربها مُعلنين الولاء لجماعة المسلمين والبيعة لإمامها عَلَى السّمع والطّاعة فِيْ المعروف، وأصبحَتِ الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة ممتدَّةً فِيْ مختلف أرجاءِ الأرضِ، ومجاهدُوها يصاوِلُونَ الكُفّارَ والمرتدين من كلّ الملل والطّوائف، وكان ذلك كلّه فوق ما يتمنّاه أكثر المجاهدين تفاؤلاً بالفتح والنّصر، ولكن الله يرزق من يشاء بغير حساب.

وأحدثَ هذا الأمر زلزالاً اهتزَّت له الأرض كلها، وأصاب المشركين وعلى رأسهم أمريكا وطواغيتها بالصّدمة؛ أن تعود الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة الّتي زعموا يوماً القضاء عليها فِيْ العراق، لتمتدّ إِلَى الشّام، ثم تغدو خلافةً تجمعُ المسلمين فِيْ كل مكان، ويمتدُّ سلطانها إِلَى مختلف البقاع، وباتوا تحت الخوف الكبير أن تنهار منظومةُ الحكم لبلدان المسلمين والّتي أقاموها عَلَى مدى قرن من الزّمان، خلال أيّام قليلة، كما حدث فِيْ العراق والشام، وجمعوا كيدهم من جديد وأجلبوا بخيلهم ورجلهم فِيْ محاولة جديدة للقضاء عَلَى الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة بعد أن أيقنوا أنه لا الفتن الدّاخلية، ولا الصّحوات وغدرها، ولا طواغيت المنطقة وجيوشها قادرة عَلَى التصدي لها، فكان التّحالف الدولي الّذي ضمَّ أكثر من 60 دولة، وكانت الحملة الصّليبية الأخيرة -بإذن الله- ضد الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة، والّتي زعموا أيضاً أنهم تمكنوا فيها من القضاء عليها، كما زعموا من قبل، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

خَيباتُ الكَافرينَ

فِيْ الحَربِ عَلَى الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة 4

أمريكَا عالِقَةٌ فِيْ الحَربِ

أدرك الكفّار والمرتدون فِيْ كل مكان أن الخطر الذي بات عليهم مواجهته بسرعةٍ مع إعلان الخلافة ليس محلّيًا فقط كالذي واجهوه فِيْ أيام الجهاد الأولى وفي مرحلة «دولة العراق الإسلامية»، ولا هو إقليمي متعدّ للحدود كالذي حاولوا التّصدي له فِيْ مرحلة «الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة فِيْ العراق والشام»، ولكنّه خطرٌ عالميّ متصاعد زمانيًّا منتشر مكانيًّا، يكاد لا يترك بقعة فِيْ الأرض للمسلمين فيها وجود إلا وكان له فيها تأثير.

وتأكّدوا من صدق مخاوفهم لما رأوا أنَّ الإعلان عن تنصيب الخليفةِ وإقامة دار الإسلام وتوحيد جماعة المسلمين لم يكُن مجرد حادثةً إعلاميّة هدفها لفت الأنظار، كما حاولوا تصوير الأمر، وذلك عندما تتابعت البيعات من مختلف الأقطار لمجموعات المجاهدين لإمام الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة تعلنُ من خلالها التّوحّد تحت إمرته، والسّمع والطاعة له فِيْ المعروف، وكذلك عندما راقبوا باندهاش هجرة عشرات الألوف من المسلمين الذين أعانهم الله تعالى عَلَى الوصول إِلَى دار الإسلام، ومعرفتهم بوجود أضعاف عددهم ممن تقطّعت بهم السّبلُ دون ذلك لأسبابٍ عديدة، وسرعة انضمام المهاجرين من الرّجال إِلَى جيش الخلافة وجهادهم تحت رايته، وسعادتهم وأُسَرَهُم بالحياة داخل دار الإسلام رغم الحرب الدائرة عَلَى أطرافها والقصف المستمرّ عَلَى حواضرها وأريافها، ورغم أنها لم تكن برفاهية الحياة التي كان كثيرٌ منهم يعيشها فِيْ البلاد التي جاؤوا منها، إذ وجدوا فيها ظلَّ الإسلام الَّذي لم يكن لهم أن يجدوه فِيْ أي مكان آخر عَلَى وجه الأرض.

ومما زاد من هذه المخاوف أيضا ما رأوه من انهيار جيوش الرافضة فِيْ العراق والنصيرية فِيْ الشام أمام كل زحف لمجاهدي الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة رغم الفارق الكبير فِيْ العدد والعدّة، وحالة الرّعب والهزيمة النّفسية المسبقة الّتي كان يبديها الطّواغيت وجيوشهم فِيْ المناطق المجاورة أمامَ أي زحف محتمل لجيش الخلافة باتّجاههم، وبالتّالي صعوبة الاعتماد عَلَى هذه الجيوش بمفردها لتحقيق هزيمةِ الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة بل ولا حتّى احتواءها وتحجيم خطرها عليهم، رغم امتلاكها كل مقومات النّصر الماديّة من جنودٍ مدرّبينَ وسلاح كثير متطوّر ودعم ماليّ غير محدود.

فكان لزامًا عَلَى الصليبيين أن يهبّوا فورًا ليباشروا قتال الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة بأنفسهم وبأسرع وقت قبل أن يتصاعد خطرُها إِلَى الدّرجة التي يجعل قتالها مهمّة صعبة للغاية، ومع إدراكهم لصعوبة تحقيق النّصر فِيْ هذه الحرب وهو ما بدا من تصريحات قادتهم عن حاجتهم إِلَى عقدين من الزّمن لهزيمة الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة فقد مضوا مجبرين لقتالها، ولو عَلَى حساب سحب قواتهم وثقلهم العسكري من جبهات أخرى ساخنة كأفغانستان، واستعدادهم المسبق لدفع الثّمن الثّقيل هناك لقاء الحدّ من التّهديد بخسائر أكبر دوليًا فِيْ حال استمر زخم فتوح الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة بالشكل الذي كان عليه آنذاك.

تشْكيلُ أَكبَرِ حِلفٍ عسْكريٍّ فِيْ التَّارِيخِ

وهكذا تشكل أكبر تحالفٍ عسكريّ فِيْ التاريخ لقتال الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة، وحشدت أمريكا أساطيلها وطائراتها فِيْ القواعد العسكريّة والبحار القريبة من الشّام والعراق، واضطرّت للعودة مجدّدًا للقتال فِيْ المنطقة الّتي كان الانسحاب منها إنجازًا كبيرًا احتفل الصليبيون بتحقيقه، مع الإعلان عن خطة جديدة للحربِ تقوم عَلَى تقديم الغطاء الجوّيّ والدّعم المادّيّ والمعلوماتيّ والتّدريبيّ لقوّات من المرتدّين تقاتل الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة عَلَى الأرض ليقع عَلَى عاتقها حمل الخسائر البشرية الكبيرة المتوقعة فِيْ هذه الحرب الطّاحنة.

واشتركت جيوش دول عدة فِيْ هذا التّحالف، بطائراتها وأسلحتها وأموالها وخبرائها ومدرّبيها وغير ذلك مما يمكن تقديمه لتحقيق أهداف الحرب، لتنطلق واحدة من أكبر وأطول حملات القصف الجوّيّ فِيْ التّاريخ، والّتي شملت أكثر من 30 ألف ضربة جوّيّة، استعمل فيها أكثر من 100 ألف قذيفة وصاروخ، واقتربت مدتها من 2000 يوم دون وجود أفق لانتهائها، حتّى بعد إعلان الصّليبيين وأوليائهم نصرهم النهائي المزعوم عَلَى الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة بعد «معركة الباغوز».

فكان جيش الخلافةِ فِيْ الشام والعراق يقاتل عَلَى 5 جبهات فِيْ الوقت نفسه، فِيْ الجنوب والشرق ضد الجيش والحشد الرافضيَّين ومَن معهم من مرتدّي البيشمركة والصّحوات، وفي الشّمال والغرب ضدّ مرتدّي حزب العمال الكردستاني PKK، وضدّ الجيش التركي وفصائل الصّحوات العاملة تحت إمرته، وضدّ الجيش النّصيري المرتدّ والفصائل الرّافضيّة العاملة تحت إمرته، فِيْ حين تجوب أجواء المعارك طائرات التّحالف الصّليبيّ والروس والجيشين النّصيري والعراقيّ والأتراك، لتقديم الدّعم والإسناد الجوي لجيوش الكفر المحاربة للدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة، هذا عدا عن جبهات القتال فِيْ ولايات الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة الأخرى، الّتي لم يكن القتال فيها أقلّ ضراوةً مما كان عليه فِيْ العراق والشّام.

وبعد 5 أعوام من الحرب الطّاحنة أعلن الصّليبيون وأتباعهم النّصر عَلَى الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة مجددًا، وإن بحماسة أقل هذه المرة، وبيقين أقل فِيْ كون هذا النّصر نهائيًّا كما كانوا يزعمون سابقًا، وبأسى كبير نتيجة الخسائر الكبيرة فِيْ صفوفهم والتي تجاوزت المائة ألف قتيل وجريح عَلَى جبهة الجيش الرافضي وميليشياته فحسب، وقرابة 30 ألف قتيل وجريح فِيْ صفوف مرتدّي الـ PKK، وآلاف آخرين من القتلى والجرحى فِيْ صفوف البيشمركة والجيش النّصيري وصحوات الشام، وتكاليف مالية كبيرة تكبدتها دول التحالف الصليبي لتمويل الحملة الجوية ودعم القوات التي تقاتل الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة عَلَى الأرض.

أمريكا عالِقةٌ فِيْ الحَربِ

وقد أكّدت التّجارب للصّليبيين أنّ الحرب ضد الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة لا يمكن أن تستمرّ بدون وجودهم الدّائم فِيْ الوقت الذي يلحّون فيه هم عَلَى إنهاء ما سمّوه “الحرب عَلَى الإرهاب” الّتي تورّطوا فيها لعقدين من الزّمن وكبّدتهم خسائر بشريّة كبيرة، ودمّرت اقتصادَهُم، وتهدّدهم بمصير الاتّحاد السّوفيتي فِيْ حال إصرارهم عَلَى الاستمرار فيها إِلَى النّهاية.

فبمجرّد انسحابهم من العراق لم يستغرق الأمر سوى سنوات قليلة لينهار الجيش الرافضيّ الّذي أنشؤُوهُ ليَنُوب عنهم فِيْ قتال المجاهدين، الّذين مكّنهم الله تعالى من فتح أجزاء واسعة من العراق، بل ووصلوا أبواب بغداد وإربيل لولا تدخل الصّليبيين السّريع لوقف تقدّم جنود الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة، ريثما يتسنى لأوليائهم التقاط أنفاسهم وإعادة هيكلة قواتهم المنهارة لتعود لساحة القتال من جديد، ثم تستغرق سنينًا من القتال لاستعادة ما خسرته فِيْ شهور قليلة بفضل الله.

ثم اليوم يصرّ حلفاء الصليبيين عَلَى ابتزازهم الدّائم بقضيّة الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة واحتمال عودتها لفتح المناطق فِيْ حال تعرّضهم لأي خطر آخر يهدّدهم، وإن كان من حلفاء أمريكا الآخرين، كما رأينا فِيْ حالة مرتدّي الـ PKK عندما هاجمهم مرتدّو الجيش التركي والفصائل التابعة له، فلم يجدوا وسيلة لجلب الدعم لهم سوى الإعلان أن هذا سيؤثر عَلَى قدرتهم فِيْ قتال الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة، ما يعني بالمحصلة أنّ الصّليبيين يجدون أنفسهم مقيّدين اليوم بتواجد عسكريّ دائم مكلف فِيْ كلّ المناطق التي يحتمل فيها وجود خطر من مقاتلي الدَّوْلَة الإِسْلَامِيَّة، والتي توجد -بحمد الله- فِيْ مختلف أرجاء الأرض الّتي يقاتل فيها جنود الخلافة ليقيموا الدّين ويحكّموا شريعة ربّ العالمين.

وإن الكفّار والمرتدين يوقنون اليوم بعجزهم عن تحقيق النّصر الكامل عليها، لا لكون وجودها أصبح راسخًا فِيْ العراق والشام وحسب، ولكن لأن انتشارها فِيْ الأرض يمنعهم بإذن الله من حربها فِيْ كل مكان، وكلّما حسبوا أنّهم سلبوها التّمكين فِيْ أرض منّ الله تعالى عَلَى جنودها به فِيْ أرض أخرى، وهذا ما يجعل الحلّ الوحيد أمامهم أن ينشروا جيوشهم فِيْ كل مكان وبشكل دائم، الأمر الذي سيكلفهم الكثير من الجهد والمال فِيْ الوقت الذي يحرصون فيه عَلَى تقليل تكاليفهم العسكرية الّتي ينفقونها فِيْ بلاد المسلمين، ليوفّروا بعضها لترميم اقتصاداتهم وتقويةِ أمنهم الداخلي، والتّفرغ لمجابهة أعدائهم من الدّول الّتي تنافسهم فِيْ الهيمنة العالميّة، واستغلّت انشغالهم الكبير فِيْ “الحرب عَلَى الإرهاب” لتثبت أقدّامها فِيْ مواقع كثيرة كانت مناطق نفوذ لأمريكا وحلفائها الأوربيّين قبل سنين.


التحميل :

تحميل بصيغة PDF تحميل بصيغة DOCX

(وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ)
(سورة المنافقون الآية 8)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى