المقالات

عقوبةُ الغيبة وكفّارتها

بسم الله الرحمن الرحيم


صحيفة النبأ العدد 268

عقوبةُ الغيبة وكفّارتها

سلسلة مقالات الغيبة (6)

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعد:

ذكرنا في المقالات السابقة حرمة الغيبة وأنها من الكبائر! وقد رتّب الله على مرتكبها عقوبات، لينزجر المسلمون عنها، ويبتعدوا عن مجالسها، ويتوبوا إلى ربهم منها، وسنتناول في هذا المقال كفّارة الغيبة وشروطها، وعقوبة من أصرَّ عليها.


عقوبات من أصرَّ على الغيبة

اعلم أخي المسلم: أن من عقوبات الغيبة واتباع عورات المسلمين: الفضيحة بين الناس في هذه الحياة الدنيا؛ فعن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم؛ فإنه من يتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته)[رواه أحمد].

قال ابن رجب رحمه الله: “وقد روي عن بعض السلف أنه قال: أدركت قوما لم يكن لهم عيوب، فذكروا عيوب الناس، فذكر الناس لهم عيوبا، وأدركت أقواما كانت لهم عيوب، فكفوا عن عيوب الناس، فنسيت عيوبهم، أو كما قال”[جامع العلوم والحكم].

ومن عقوبات هذه الكبيرة العذاب في القبر، ففي الصحيحين عن ابن عباس قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بقبرين، فقال: (إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة) وفي رواية للبخاري: (يعذبان، وما يعذبان في كبير، وإنه لكبير…).

قال النووي رحمه الله: “وقد ذكر العلماء فيه تأويلين: أحدهما أنه ليس بكبير في زعمهما، والثاني أنه ليس بكبير تركه عليهما”[شرح مسلم].

ومن العقوبات أيضا العذاب في النار، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت يا جبريل من هؤلاء قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم)[رواه أحمد].

وروى ابن أبي الدنيا عن كعب الأحبار، أنه قال: “الغيبة تحبط العمل”[الصمت لابن أبي الدنيا].

ويدل عليه ما رواه مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (أتدرون ما المفلس؟)، قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: (إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار).


كفارة الغيبة

اعلم أخي المسلم: أن الله غفار لمن تاب وأناب، وأنه يفرح سبحانه وتعالى بتوبة عبده كما صح عنه صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (لله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن، من رجل في أرض دوية مهلكة، معه راحلته، عليها طعامه وشرابه، فنام فاستيقظ وقد ذهبت، فطلبها حتى أدركه العطش، ثم قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه، فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ وعنده راحلته وعليها زاده وطعامه وشرابه، فالله أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده)[رواه مسلم].

ومن رحمته تعالى أنه أمر عباده بالتوبة وحثهم عليها، فقال تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. قال الطبري رحمه الله: “يقول تعالى ذكره: وارجعوا أيها المؤمنون إلى طاعة الله فيما أمركم ونهاكم من غضّ البصر، وحفظ الفرج، وترك دخول بيوت غير بيوتكم، من غير استئذان ولا تسليم، وغير ذلك من أمره ونهيه؛ (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) يقول: لتفلحوا وتدركوا طلباتكم لديه، إذا أنتم أطعتموه فيما أمركم ونهاكم”، وقال القرطبي رحمه الله: “والمعنى: وتوبوا إلى الله فإنكم لا تخلون من سهو وتقصير في أداء حقوق الله تعالى، فلا تتركوا التوبة في كل حال”[التفاسير].

وعن الأغر بن يسار المزني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أتوب في اليوم مائة مرة)[رواه مسلم].


أربعة شروط للتوبة من الغيبة

وللتوبة شروط ثلاثة فيما بين العبد وربه سبحانه وتعالى وهي: الندم، والإقلاع عن الذنب، والعزم على عدم العودة إليه، وإن كان في الذنب حق لمسلم، فيزيد شرط رابع وهو: أن يرد ما أخذه بغير حق.

قال النووي رحمه الله: “قال العلماء: التوبة واجبة من كل ذنب، فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدمي، فلها ثلاثة شروط: أحدها: أن يقلع عن المعصية. والثاني: أن يندم على فعلها. والثالث: أن يعزم أن لا يعود إليها أبدا. فإن فقد أحد الثلاثة لم تصح توبته، وإن كانت المعصية تتعلق بآدمي فشروطها أربعة: هذه الثلاثة، وأن يبرأ من حق صاحبها”[رياض الصالحين].

وهذه الشروط مطلوبة في سائر المعاصي ومنها الغيبة.


مسألة: التحلل من غيبة المسلم

واختلفوا هل يشترط في التوبة منها أن يتحلل المسلم ممن اغتابه؟ فاشترطها بعض العلماء، ولم يشترطها آخرون، بل قالوا: يدعو له ويذكره بالحسن في غيبته كما ذكره بالسوء في غيبته وهذا هو الأقرب؛ فعن مجاهد رحمه الله قال: “كفارة أكلك لحم أخيك أن تثني عليه وتدعو له بخير”، وعن أبي حازم رحمه الله قال: “من اغتاب أخاه فليستغفر له، فإن ذلك كفارة لذلك”[الصمت لابن أبي الدنيا].

وقال ابن تيمية رحمه الله: “ومن ظلم إنسانا فقذفه أو اغتابه أو شتمه ثم تاب قبل الله توبته، لكن إن عرف المظلوم مكنه من أخذ حقه. وإن قذفه أو اغتابه ولم يبلغه ففيه قولان للعلماء هما روايتان عن أحمد: أصحهما أنه لا يعلمه أني اغتبتك، وقد قيل بل يحسن إليه في غيبته كما أساء إليه في غيبته. كما قال الحسن البصري: كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته”[مجموع الفتاوى].

وعن عبد الله بن المبارك رحمه الله قال: “إذا اغتاب رجل رجلا، فلا يخبره به ولكن يستغفر الله”[شعب الإيمان].

وقال ابن القيم رحمه الله: “والصحيح أنه لا يحتاج إلى إعلامه، بل يكفيه الاستغفار وذكره بمحاسن ما فيه في المواطن التي اغتابه فيها. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره. والذين قالوا لا بد من إعلامه جعلوا الغيبة كالحقوق المالية. والفرق بينهما ظاهر، فإن الحقوق المالية ينتفع المظلوم بعود نظير مظلمته إليه، فإن شاء أخذها وإن شاء تصدق بها. وأما في الغيبة فلا يمكن ذلك ولا يحصل له بإعلامه إلا عكس مقصود الشارع، فإنه يوغر صدره ويؤذيه إذا سمع ما رمى به، ولعله يهيج عداوته ولا يصفو له أبدا، وما كان هذا سبيله فإن الشارع الحكيم لا يبيحه ولا يجوزه فضلا عن أن يوجبه ويأمر به، ومدار الشريعة على تعطيل المفاسد وتقليلها، لا على تحصيلها وتكميلها. والله تعالى أعلم”[الوابل الصيب].

فالبدار البدار إلى التوبة والإنابة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، والاستغفار من الذنوب صغيرها وكبيرها، فقد قال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} [الزمر:53].

اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وكفّر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار؛ والحمد لله رب العالمين.

(وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ)
(سورة المنافقون الآية 8)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى