الإفتتاحيات

الحرب مع أمريكا المثقلة بالأزمات

بسم الله الرحمن الرحيم


الإفتتاحية

صحيفة النبأ العدد 268

الحرب مع أمريكا المثقلة بالأزمات


ليست الانتخابات الأمريكية الأولى التي يُعترض على نتائجها ويُشكك فيها، ولن تكون الأخيرة، وليست الاحتجاجات التي شهدناها أمس الأولى في أمريكا، ولن تكون الأخيرة كذلك، وإن كانت رمزية احتجاجات أمس أكبر لكونها شهدت اقتحام واحد من أهم مراكز السيادة في أمريكا، وهو مبنى “الكونغرس” أثناء اجتماع الطواغيت المشرّعين من دون الله تعالى لإقرار تنصيب طاغوت أمريكا الجديد “جون بايدن”.

فمن يقرأ تاريخ أمريكا الصليبية يجد أنها شهدت خلال العقود الماضية أحداثا داخلية أكبر وأخطر، سببها الدائم إحساس طائفة من السكان فيها بتسلط الطوائف الأخرى عليها وانتقاصها مما تراه حقوقا لها، أو رغبة في تغيير شكل النظام السياسي الحاكم للبلاد منذ أكثر من قرنين من الزمان، وهذا شأن الدول “الديموقراطية” في بعض الأحيان، عندما لا يمكن للطوائف إحداث التغيير الذي تريده عن طريق الوسائل “الديموقراطية” أو تُمنع حتى من استعمال هذه الوسائل فإنها تلجأ إلى الضغط على الحكومات والطوائف الأخرى بطريقة أو بأخرى، مهدِّدة بتدمير النظام “الديموقراطي” الذي لا يخدمها.

والإحساس المرير بالهزيمة الذي عبّر عنه أنصار “الطاغوت” ترامب من خلال احتجاجاتهم الأخيرة -والتي تلت احتجاجات خصومهم من أنصار “الحزب الديموقراطي” خلال العام الماضي- سيدفعهم لبذل المزيد من الجهد وتقديم المزيد من الدعم لطاغوتهم خلال السنوات الأربع القادمة أو من يقف معه إلى كرسي الرئاسة، لينتقموا لأنفسهم ويحققوا النصر على خصومهم من جديد، ما يعني أن الصراع بين الحزبين وأنصارهم في الداخل الأمريكي سيكون حاميا شديدا، وتركيز سياسات الحزبين خلال هذه الفترة سيكون أكبر على القضايا الداخلية لضمان كسب المزيد من الأصوات الانتخابية.

ما يهمنا في هذا الأمر كله، هو أن أمريكا الصليبية ستنشغل أكثر بنفسها وأن ذلك الصراع السياسي داخلها سيدفع قادتها إلى التقليل من إنفاق الموارد على حرب المسلمين، وإلى متابعة الانسحاب من مناطقهم، وتركيز انتباههم على القضايا الداخلية والخارجية ذات التأثير المباشر على حياة الأمريكيين داخلها، وعلى أمن حلفائها الأساسيين خارجها، ولكنه أيضا شاغل كل الدول المعادية لأمريكا في العالم أو تلك المتنافسة معها في ميدان الهيمنة.

ولكن في الوقت نفسه، فإننا نعلم أن انشغال أمريكا بمشاكلها الداخلية لا يعني بحال انسحابها من العالم كله دفعة واحدة، ولا دخولها في حالة انغلاق على الداخل، كما يصوّر بعض الحالمين، وإنما القبول بمشاركة بعض القوى الكافرة الأخرى في تقاسم المكاسب والنفوذ بدلا عن الهيمنة والأثرة، وهو ما تطمح تلك القوى إليه في هذه الفترة.

فأمريكا خلال العقد الماضي كان جل تركيزها الحفاظ على النظام السائد في العالم، وتثبيت المكاسب التي حققتها سابقا، ريثما تتمكن من التقاط أنفاسها لتتابع تحقيق المزيد من الهيمنة وتحصيل المزيد من المكاسب، وهذا ما تعارض مع توجهات الدول المنافسة لها والتي تسعى إلى النمو في مختلف الجوانب بما يجعلها في احتكاك دائم وحتمي مع أمريكا التي تريد تحجيم تلك القوى الصاعدة وإبطاء نموها، وهو ما ترفضه تلك الدول، ما سيؤدي بالنهاية إلى حدوث صدامات بأشكال متعددة، أو قبول أمريكا في النهاية المشاركة مع هذه الدول لقاء اعتراف ضمني منها باليد الأمريكية عليها، ودفعها مقابل هذه المشاركة لتكاليف الحفاظ على النظام القائم، عسكريا واقتصاديا وسياسيا.

لقد تراجع التركيز الأمريكي كثيرا على حرب الدولة الإسلامية، وكان التعبير الأوضح عن ذلك هو إعلانهم النصر الكاذب عليها ليبرروا ذلك التراجع، ثم عادوا ليستبدلوا إعلان “النصر” بعد أن بان كذبه بإعلان النجاح في “احتوائها” أو “كبح نموها” أو ما شابه من المصطلحات التي تعني في النهاية أن هدف أمريكا المؤكد من هذه الحرب هو تأخير تمكن الدولة الإسلامية من حكم بلدان المسلمين بشريعة الله تعالى قدر الإمكان، مع يقينهم أن هذا الأمر لا يمكن منع حدوثه بالكلية، بإذن الله تعالى.

وهذا التراجع في الحرب الأمريكية على الدولة الإسلامية، وذبول الحملة الصليبية الدولية عليها، لا يثيران فقط مخاوف الطواغيت الموالين لأمريكا في المنطقة، ولكنه يخيف أيضا الكثير من الأطراف التي تزعم العداء لأمريكا والحرب عليها، والتي تخشى من الدولة الإسلامية وجنودها أكثر من خشيتها من النفوذ والهيمنة الأمريكية، وذلك حال إيران الرافضية والأحزاب والفصائل المرتدة التي تدعي الإسلام زورا.

وكما في كل مرحلة من مراحل الصراع بين الإسلام والكفر، فإننا نجدد اليوم شعارنا الذي نرفعه بعد كل فتح أو انحسار”الآن.. الآن جاء القتال”، فحربنا مع أمريكا الصليبية وأوليائها وملل الكفر كلها وكأنها قد بدأت للتو، وهي باقية حتى لا يكون شرك في الأرض كلها، وتكون الطاعة والحكم فيها لله تعالى وحده رب العالمين، لا يغير من حال هذه الحرب أن يتولى رئاسة أمريكا طاغوت أسود أو أبيض، “ديموقراطي” أو “جمهوري”، “عولمي” أو “انعزالي”، فنحن نقاتلهم لكفرهم وعدوانهم على المسلمين، وليس لأي أمر آخر، وسينصرنا الله تعالى عليهم، والعاقبة للمتقين، والحمد لله رب العالمين.

(وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ)
(سورة المنافقون الآية 8)

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى