المقالات

سوء الظن بالمسلمين طريقٌ للغيبة

بسم الله الرحمن الرحيم


صحيفة النبأ العدد 266

سوء الظن بالمسلمين طريقٌ للغيبة

سلسلة مقالات الغيبة (4)

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد.

ذكرنا في المقال السابق أن من أسباب الغيبة سوء الظن بالمسلمين، وسنتكلم في هذا المقال عن ذلك بشيء من التفصيل.

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات:12]. قال الإمام الطبري رحمه الله: “يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله، لا تقربوا كثيرا من الظنّ بالمؤمنين، وذلك أن تظنوا بهم سوءا، فإن الظانّ غير محقّ”[التفسير].

وقال ابن كثير رحمه الله: “يقول تعالى ناهيا عباده المؤمنين عن كثير من الظن، وهو التهمة والتخون للأهل والأقارب والناس في غير محله؛ لأن بعض ذلك يكون إثما محضا، فليجتنب كثير منه احتياطا، وروينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أنه قال: ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المسلم إلا خيرا، وأنت تجد لها في الخير محملا”[التفسير].


سوء الظن بأهل الخير حرام

اعلم أخي الكريم -ثبتني الله وإياك على الحق- أن سوء الظن بعباد الله الذين ظاهرهم الصلاح حرام منهي عنه؛ وقد دلَّ الكتاب والسنة على ذلك؛ قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ}. قال القرطبي رحمه الله: “أي لا تظنوا بأهل الخير سوءا إن كنتم تعلمون من ظاهر أمرهم الخير”[ التفسير]، وقال الإمام ابن تيمية رحمه الله: “لكن مع العلم بما عليه المرء المسلم من الإيمان الوازع له عن فعل الفاحشة، يجب أن يظن به الخير دون الشر”[مجموع الفتاوى].

وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تناجشوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا).

قال النووي رحمه الله: “اعلم أن سوء الظن حرام مثل القول، فكما يحرم أن تحدث غيرك بمساوئ إنسان، يحرم أن تحدث نفسك بذلك وتسئ الظن به، قال الله تعالى: {اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ}”[الأذكار].

وقال المناوي: “أي احذروا اتباع الظن أو احذروا سوء الظن بمن لا يساء الظن به من العدول، والظن تهمة تقع في القلب بلا دليل”[التيسير بشرح الجامع الصغير].

ليس من الحرام الظن بأهل السوء

أخي المسلم: المؤمن كيس فطن، وعليه فلا يحسن بالمسلم أن يكون مغفلا، يحسن الظن بأهل السوء الذين ينشرون الفتن! ويحاربون دين الله وأوليائه؛ ولذلك بين الله سبحانه وتعالى أن بعض الظن إثم وليس كله؛ قال تعالى: {إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ}، فإن سوء الظن بأهل الخير هو المحرم فقط، أما غيرهم من أهل الفسق والكفر؛ الذين يحبون أن تشيع بين المؤمنين الفواحش والفتن؛ فهؤلاء لا يكون الظن فيهم إثماً، بل يجب الظن بهم، والحذر والتحذير من مكرهم، وسوء صنيعهم.

وقد بيّن أهل العلم رحمهم الله ذلك بوضوح عند تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ}، قال الزجاج: “هو أن تظن بأهل الخير سوءا، فأما أهل السوء، والفسق، فلنا أن نظن بهم مثل الذي ظهر منهم” [التفسير الوسيط]، وقال أبو المظفر السمعاني: “وَاعْلَم أَن الظَّن الْمنْهِي عَنهُ هُوَ ظن السوء بِأَهْل الْخَيْر، فَأَما بِأَهْل الشَّرّ فَجَائِز”[تفسير السمعاني].

وقال أَبُو حاتم رحمه اللَّه: “سوء الظن على ضربين، أحدهما منهي عنه بحكم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وسلم، والضرب الآخر مستحب؛ وأما الذي نهي عنه فهو استعمال سوء الظن بالمسلمين كافة على ما تقدّم ذكرنا له، والذي يُستحب من سوء الظن؛ فهو كمن بينه وبينه عداوة أو شحناء في دين أو دنيا يخاف على نفسه مكْره، فحينئذ يلزمه سوء الظن بمكائده ومكره لئلا يصادفه على غرة بمكره فيهلكه؛ وفي ذلك أنشدني الأبرش:

وحسن الظن يحسن في أمور

ويمكن في عواقبه ندامه

وسوء الظن يسمج في وجوه

وفيه من سماجته حزامه

“[روضة العقلاء].

وقد ذكر القرطبي رحمه الله ضابطا لمعرفة الظن السيئ الذي يجب اجتنابه من غيره بقوله: “والذي يميز الظنون التي يجب اجتنابها عما سواها، أن كل ما لم تعرف له أمارة صحيحة وسبب ظاهر كان حراما واجب الاجتناب، وذلك إذا كان المظنون به ممن شوهد منه الستر والصلاح، وأونست منه الأمانة في الظاهر، فظن الفساد به والخيانة محرم، بخلاف من اشتهره الناس بتعاطي الريب والمجاهرة بالخبائث”[التفسير].


الظن المحرم هو ما استقر في القلب

اعلم أخي المسلم: أن المراد بسوء الظن المحرم هو الذي يستقر في القلب، فأما ما يمر على القلب دون استقرار فيه فمعفوٌ عنه، ولا يؤاخذ به العبد؛ ففي الصحيحين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم يتكلموا، أو يعملوا به).

قال النووي رحمه الله: “والمراد بذلك عقد القلب وحكمُهُ على غيرك بالسوء، فأما الخواطر، وحديث النفس، إذا لم يستقرَّ ويستمرّ عليه صاحبُه فمعفوٌ عنه باتفاق العلماء، لأنه لا اختيارَ له في وقوعه، ولا طريقَ له إلى الانفكاك عنه وهذا هو المراد بما ثبتَ في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل)، قال العلماء: المراد به الخواطر التي لا تستقرّ”[الأذكار].

من ساء فعله ساء ظنه!

أخي المسلم: إن سوء الظن ينتج في الغالب عن سوء الفعل! فمن ساء فعله ظن بالصالحين من إخوانه أنهم مثله، وفي المقابل فإن من حسن فعله ظن بالصالحين خيرا.

قال الخطابي رحمه الله: “وذلك أن طباع الناس متفاوتة متعادية، وهممهم مختلفة، ووساوس صدورهم كثيرة، وإن سوء ضمائرهم يصور لهم ويوحي إلى قلوبهم أن اجتماع كل طائفة من الناس وتناجي كل شرذمة منهم إنما هو في التنفير عنهم، والبحث عن عيوبهم، أو في تبييت رأي ودسيس غائلة عليهم، ويغلب هذا الظن خصوصا على من يحس من نفسه بتهمة، ويعرف عند الناس بريبة، وقد وصف الله عز وجل المنافقين بذلك فقال عز وجل: {يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون}، وما أحسن قول المتنبي في أهل هذه الصفة حين يقول:

إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه

وصدق ما يعتاده من توهم

وعادى محبيه بقول عداته

وأصبح في ليل من الشك مظلم

قال بعضهم: معاشرة الأشرار تورث سوء الظن بالأبرار”![العزلة للخطابي].

وختاما: أيها المجاهدون حسنوا أقوالكم وأعمالكم وظنونكم بإخوانكم؛ فإن هذا طريق لفلاحكم، بإذن الله، والحمد لله رب العالمين.

(وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ)
(سورة المنافقون الآية 8)

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى