الإفتتاحيات

وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا

بسم الله الرحمن الرحيم


الإفتتاحية

صحيفة النبأ العدد 266

وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا

لمّا أمر ربُّنا تبارك وتعالى نبيه أنْ يبدأ بنذارة قومه وعشيرته الأقربين قبل غيرهم من الأقوام، كان في ذلك فرصة لهم لينالوا فضل السبق عليهم، ولكنّ غالبهم فوّتوا على أنفسهم هذا الخير العظيم، بل استبدلوه بالشر المبين، أنْ استكبروا وأبوا اتّباع رسول الله عليه الصلاة والسلام في أمر دينه، وناصبوه العداء، واختاروا الجحيم على النعيم.

وقد حسب طواغيت قريش آنذاك أنّ إعراضهم عن دين الله تعالى، وصدّهم الناس عن اتباعه بالكذب والخداع والبطش والتنكيل، سيكون سبباً في إعراض الناس كلهم عنه، وبالتالي موت هذا الدين بموت صاحبه عليه الصلاة والسلام ومَن معه مِن القلة المؤمنة، وما دار في أنفسهم أن الله تعالى سيهيئ لرسوله من ينصره ويحمل معه همَّ الدعوة إلى الإسلام ويعينه على إدخال الناس فيه، وسيُحْضرهم بمشيئته إلى عقر دار قريش ليسمعوا من الرسول عليه الصلاة والسلام ويؤمنوا به ثم يبايعوه على الإسلام والنصرة، كما فعل النفر الأوائل من مسلمي المدينة، الذين زاد الله تعالى من إكرامهم فيما بعد فكانوا طليعة الجيش الذي فتح مكة وأدخل أهلها في دين الإسلام.

وكذلك كان حال كفار بني إسرائيل في المدينة، إذ كانوا أولى الناس باتباع رسول الله عليه الصلاة والسلام، لكونهم يزعمون التوحيد واتّباع أنبياء الإسلام السابقين، إبراهيم وإسحاق ويعقوب والأسباط وموسى وهارون، إخوة محمد عليهم جميعاً أفضل الصلاة والسلام، ولكنهم كذّبوا وجحدوا، ووقفوا في وجه الدعوة، وحسبوا أنهم بتكذيبهم لرسول الله، وطعنهم في دينه، سيضرونه ويصدّون الناس عن اتّباعه، وما دروا أنهم ما كانوا يضرّون إلا أنفسهم، بأنْ جلبوا عليها العذاب في الدنيا على أيدي مَن فضّلهم الله عليهم بالإسلام مِن جيرانهم أهل المدينة، واستحقوا العذاب من الله تعالى في الآخرة، لكفرهم وطغيانهم، وما ظلمهم الله تعالى ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.

وهكذا هو الحال في كل زمان ومكان بين الموحدين وخصومهم من الأقربين الذين يناصبونهم العداء وهم يحسبون أنهم سيضرون الدين وأهله بإعراضهم عنه، وصدّهم الناس عن اتباعه، وما دروا أنهم لا يضرّون بذلك إلا أنفسهم، بأن يفوّتوا عليها خير السبق وفضله، ويعرّضوها بأن يستبدلهم الله تعالى بقوم آخرين يهديهم لاتّباع دينه والعمل في سبيله، ويرفعهم بذلك فوق العالمين في الدنيا والآخرة.

ولقد رأينا مصداق ذلك الأمر كثيراً في مختلف الأنحاء، وفي كل العصور، ومنها ما حدث في عصرنا هذا مع الدولة الإسلامية ودعوتها إلى الحق المبين وسعيها لتحكيم الشرع المكين، إذ ما زال مجاهدوها منذ قرابة عقدين من الزمان يتعرضون لكفر الأقربين إليهم نسباً وجواراً بل وحتى مَن يزعم القرب منهم عقيدةً ومنهجاً! ويحسب أولئك المعرضون المستكبرون في كل مرة أن قيام الدولة الإسلامية أو اشتداد عودها قد علّقه الله تعالى عليهم، وأن المجاهدين مِن غيرهم سيُخذلون ويتفرقون ولن تقوم لهم في الأرض مِن بعدهم قائمة، ثم يخيب سعيهم ويريهم الله تعالى مِن حال عباده ما يكرهون.

وهذا ما حدث في العراق عندما ارتدت فصائل الصحوات، وحسب قادتها المجرمون أنهم بتخلفهم عن اللحاق بالمجاهدين الذين أعلنوا قيام الدولة الإسلامية قد أضّروا بها، وما دروا أنهم لم يضروا إلا أنفسهم، بأن فتنوا أنفسهم وزادهم العداء لها بعداً عن الدين حتى ارتدوا عنه بالكلية فانقلبوا على أعقابهم خاسئين، واستبدلهم الله تعالى بمن هم خير منهم من المهاجرين والأنصار في الشام، فلحقوا بالدولة الإسلامية وبايعوا إمامها ونصروه وعزّروه وأعانوا على إعادة الخلافة مرغِمين بذلك أنوف الكفار والمرتدين في كل مكان.

ولم يتعظ المرتدون في الشام بما حلّ بإخوانهم في العراق مِن قبل، وحسبوا أنهم بعدائهم للدولة الإسلامية سينهون أمرها في الشام، فخيّب الله سعيهم، واستغنى الله تعالى عنهم وعن كثرتهم، وهدى لنصرة أوليائه أقواماً آخرين في مشارق الأرض ومغاربها، ليرفعوا رايتها في شتى البقاع، ويقاتلوا تحت لوائها مختلف طوائف الكفر والردة، ويثبتوا بذلك وحدة جماعة المسلمين رغم ما زرعه الصليبيون والطواغيت من حدود، وما فعلوه من تفريق للمسلمين على أساس العرق واللغة والموطن.

وما زال الله تعالى يهدي لنصرة دينه أقواماً يختارهم لهذا الأمر العظيم، فمنهم مَن يثبت عليه فيرفعه سبحانه به في الدنيا والآخرة، ومنهم مَن يقْصر به إيمانه عن الثبات عليه فيستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير! ويستبدلهم ربُّنا تبارك وتعالى بأقوام آخرين، فلا يضرون بذلك إلا أنفسهم، مصداقا لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التوبة: 38، 39].

فالواجب على كل إنسان أن ينظر إلى حاله في كل وقت، ليرى هل هو في مقام طاعة لله تعالى فيفرح بذلك، أم هو في مقام استبدال الله تعالى له عن القيام على أمر دينه، بآخرين؟! وليفكر هل هو بقيامه بما أمر الله تعالى نافع لنفسه أم لله تعالى ودينه الذي تكفل به ؟!، وهل هو إن تولى عن ذلك ضارٌ لنفسه أم لله تعالى ودينه ؟!، تعالى سبحانه أنْ يملك أحدٌ له نفعاً أو ضراً وهو أحسن الخالقين، والحمد لله رب العالمين.

(وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ)
(سورة المنافقون الآية 8)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى