قصة شهيد

علقمة التميمي -تقبله الله- أسد بين عرائن الشام والعراق

بسم الله الرحمن الرحيم


صحيفة النبأ العدد 265

علقمة التميمي -تقبله الله-
أسد بين عرائن الشام والعراق


كان كغيره من شباب جيله في جزيرة العرب يعيش حياة هانئة رغيدة لا ينقصه فيها من حطام الدنيا شيء، في مرحلته الجامعية التحق بكلية الطب وكان ينوي التخصص في “طب الأعصاب” إلا أنّ الله تعالى أراد له ما هو خيرٌ وأبقى، فلم يمض سوى عامين على دراسته العليا في الطب حتى تركها وهاجر إلى الدولة الإسلامية، قبيل إعلان الخلافة بوقت قليل، لينال فيها أسمى المنازل وأرقى الدرجات بل في الذروة على الإطلاق، ذروة سنام الإسلام وهو الجهاد في سبيل الله، نحسبه كذلك.

ترك الحياة ونعيمها الزائل والتحق بساحات الجهاد في البوادي والصحاري والوديان، طمعاً في النعيم المقيم، فرفع الله قدره بين المجاهدين واستعمله عليهم فأصبح أميراً عليهم خادماً لهم رحيماً بهم، علقماً وغِسليناً على الكافرين وأوليائهم، إلى أن اصطفاه الله شهيداً -نحسبه- بعد حياة قضاها كالأسود متنقلاً من عرين إلى عرين، بين ثغور الشام والعراق، طوافاً سائحاً في ديار الإسلام ومحاضن الرجال، من ملاحم الرمادي مروراً بمعارك الباب وحماة والرقة والخير، وأخيراً في بوادي حمص الملتهبة.

علقمة في ملاحم الرمادي

إنه الأخ علقمة النجدي التميمي، تقبله الله تعالى، من مواليد عام 1412هـ، في مدينة (بريدة) بمنطقة (القصيم) بجزيرة محمد صلى الله عليه وسلم.

برغم منعه من السفر بقرار من طواغيت بلده، إلا أنّ الله تعالى المتصرّف في ملكه، وفّقه -سبحانه- للهجرة إلى ديار الإسلام، وذلك قبيل إعلان الخلافة بوقت قليل، وكانت أول محطة له هي ولاية حلب -أعادها الله إلى حظيرة الإسلام-، حيث عمل جندياً في صفوف الكتيبة التي كان يقودها الأخ (أبو نصار) تقبله الله، ثم انتقل منها إلى ولاية حمص ومكث فترة مع الشيخ (أبي عتيق الرحمن) تقبله الله، ثم كلّفه إخوانه بإمارة “الأمن الداخلي” في الولاية، وهو أحد مفاصل ديوان الأمن العام في الدولة الإسلامية.

ولاحقاً يمَّم علقمة بوجهه شطْر أرض العراق حيث كان يريد ويتمنى أن يذهب، ودخل إلى ولاية الأنبار في مرحلة مهمة من تاريخ دولة الإسلام، كان المجاهدون يتهيئون فيها لغزو المدن، وقد شارك في معارك اقتحام “اللواء الثامن” و”جامعة الأنبار” وتمكن من الدخول إلى مدينة الرمادي، وهناك عاش فصول الحصار الذي فرضه المرتدون على الفئة القليلة من المجاهدين داخل الرمادي، واستمر القتال غير المتكافئ حتى وصل الحال ببعض المجاهدين للاشتباك مع المرتدين بالأيدي!! بعد نفاذ ذخيرتهم، وظلّ المجاهدون صامدين في هذا الوضع العصيب مع فقْد الأمراء وشُحّ السلاح والعلاج إلا أنهم لم يبرحوا مواقعهم وواصلوا القتال حتى جاءت (غزوة أبو تراب الأنصاري) التي فتح المجاهدون فيها منطقتي “الصوفية” و”البوفراج”، لتأتي بعدها (غزوة الشيخ أبي مهند السويداوي) والتي انطلقت في يوم (26/ رجب) من عام 1436هـ وانتهت بعد أيام بفتح مدينة الرمادي، وكل ذلك وعلقمة يتقلب مع إخوانه بين المحن والمنح، يشاركهم أجرهم وصبرهم وأيضاً خبراتهم.

العودة مجدداً إلى ساحة الشام

انتهت معركة الرمادي الصعبة بسيطرة المجاهدين على المدينة، ليعود علقمة مرة أخرى إلى الشام وتحديداً إلى ولاية حمص، وهناك التحق بكتيبة (أبي معتز القرشي) وعمل فيها رامياً على مدفع 23 ملم، واستمر في جهاده ضمن صفوف الكتيبة حتى أصيب أثناء مشاركته في معارك فتح (مهين) ومستودعاتها، ثم انتدبه أمراؤه لاحقاً للعمل في ولاية حماة وتحديداً في مكتب الوالي، وعندما بدأت معركة (الباب) الشهيرة في حلب، واستنفر الخليفة أبو بكر البغدادي -تقبله الله- جنوده للقتال في تلك الجبهة المهمة؛ طلب الأخ علقمة من أمرائه التوجه لمؤازرة إخوانه المجاهدين هناك فأذنوا له.

مشاركاً في ملاحم الباب وريفها

وظلّ علقمة تقبله الله يقاتل مع المجاهدين في معارك الباب التي استعصت على المرتدين لأكثر من شهر دون أن يتمكنوا من إحداث أيّ تقدم ميداني، وذاق فيها الجيش التركي وأذنابه من الصحوات ألوان العذاب على أيدي جنود دولة الإسلام، ومنها معركة (جبل الشيخ عقيل)، ووصل الحال بالمرتدين إلى حدٍّ جعَل قادتهم يتلاومون فيما بينهم! فبعضهم حمّل “الجيش الحر” مسؤولية الفشل الميداني، بينما قال آخرون إن “حسابات الجيش التركي بشأن معركة الباب لم تكن دقيقة، وإن عليه مراجعة خططه بهذا الشأن” واتهموا فيها أداء الجيش التركي بالضعف!

ولكي يغطي على ضعفه، كثّف الجيش التركي قصفه الجوي والمدفعي الهمجي الذي طال كل شيئ في المدينة وريفها متبعاً سياسة “الأرض المحروقة” التي أحرقوا فيها أجساد المسلمين ومنازلهم بقصف متعمد مباشر، بل وشاركهم في ذلك الطيران الروسي، ليضطر المجاهدون إلى الانحياز من المنطقة بعد أن أذاقوا المرتدين ويلات الحروب وأظهروا الوجه الحقيقي للجيش التركي وطاغوته المرتد الذي يحاول أنصاره اليوم تحسين صورته الملطخة بدماء المسلمين.

واستمر الأخ علقمة مشاركاً في الاستنفار العام في ولاية حلب مع باقي إخوانه حتى قبيل سقوط مدينة (مسلمة) بوقت قليل، ليعود بعدها إلى ولاية حماة مرة أخرى بطلب من إخوانه، واستمر فيها حتى جاءت معركة الرقة.

إصابته بقصف في معارك الرقة

وكعادته لبّى علقمة النداء متوجهاً من ولاية حماة إلى ولاية الرقة حيث شارك في معركة الرقة في ظل الحصار الخانق الذي فرضه الصليبيون والمرتدون عليها، وعيّنه إخوانه فيها أميراً على قاطع (اليرموك)، وقبيل الانحياز من الرقة بأسبوعين أصيب تقبله الله بقصف من طائرة مسيّرة إلا أن ذلك لم يوقفه عن مواصلة طريقه، وبرغم القصف الكثيف نجح المجاهدون ومعهم علقمة في الانحياز من الرقة نحو ولاية الخير التي خاض فيها المجاهدون معارك استنزاف عنيفة ما زالت تتصاعد إلى يومنا هذا.

وفي الخير، عمل علقمة برفقة الأخ (كرار العراقي أبي سليمان) تقبله الله، في ديوان (الركاز)، وعندما تشكلت (كتيبة الأنفال) عُيِّن علقمة أميراً على إحدى السرايا فيها أثناء معارك (غرانيج)، كما عمل لاحقاً في مفارز “الاستخبارات العسكرية”، لينهل من أبواب الخير وثغور الجهاد المختلفة.

من ملاحم الخير إلى البادية

قبيل ملاحم الباغوز الكبيرة بنحو عشرة أشهر، تمكن علقمة من الانحياز نحو صحراء البادية التي أصبحت مقبرة للجيش النصيري وميليشياته وحلفائه الروس، وقد شارك علقمة هناك في مقارعة الجيش النصيري في كثير من الهجمات والغزوات، وأصيب خلالها في إحدى المواجهات إصابة أقعدته نحو عام كامل! لكنها لم تنل من عزيمته وأنّى لمن امتلأ قلبه بحب الله تعالى وحب رسوله أن يتوقف أو يتراجع، بل طلب لاحقاً من أميره (أبي أيوب العراقي)، أن يسمح له بتنفيذ عملية استشهادية، لكنه -تقبله الله- لم يأذن له بذلك، بل عيّنه نائباً له لِما رأى فيه من صفات طيبة كثيرة تؤهله لذلك.

أميراً للمجاهدين في بادية حمص

وعندما قتل (أبو أيوب العراقي) تقبله الله، وقع الاختيار على علقمة ليكون خلفاً له، وأصبح علقمة أمير المجاهدين في بادية حمص، فكان نِعْم الأمير كما كان نِعْم الجندي من قبل، رحيماً بإخوانه صبوراً عطوفاً عليهم، شديداً علقماً على المرتدين، حيياً شهماً كريماً لا يبخل على إخوانه بشيء يقدر عليه، صاحب حياء وتقوى وهمة عالية، تلك شهادة جنوده فيه، نحسبه كذلك والله حسيبه.

وخلال فترة إمارته في بادية حمص، بذل علقمة كلّ ما يستطيع من ماله وجهده في خدمة ورعاية شؤون الجهاد في تلك البوادي المقفرة، حتى تحسّنت كثير مِن أحوال الجهاد والمجاهدين هناك، فلم يدّخر جهداً في ذلك واستمر في بذله وعطائه وجهاده حتى أتاه اليقين من ربه، بعد حياة شغَلها بطاعة الله تعالى والجهاد في سبيله، حياة مليئة بالصعاب والمخاطر قضاها متنقلاً بين ثغور الشام والعراق.

لِيُقتل بعد ذلك القتلة الكريمة التي يتمناها الكثيرون ولكن لا يُلقّاها إلا الذين صبروا ولا يُلقّاها إلا ذو حظ عظيم، رحل علقمة في الخامس من رجب 1441هـ، ثابتاً على دينه وعقيدته في وقت يحتاج فيه المجاهدون إلى مثله، غير أنه ترك خلفه مِن جنوده مَن يُشعل البادية ناراً على النصيرية والروس، فباتوا يذوقون في كل يوم علقماً ويرون في كل معركة علقمة.

(وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ)
(سورة المنافقون الآية 8)

مقالات ذات صلة

‫5 تعليقات

  1. يا فوز من نال الشهادة صادقا
    تمحى الذنوب إذا الدماء تقطر
    وإذا الزهور تعطرت بعبيرها
    مسك تفوح جراحه وتعطر
    نسأل الله تعالى أن يتقبله في جنات النعيم
    ليتنا نقتل كقتلة أخينا ابي علقمة التميمي
    بأمثال هؤلاء ينتصر المسلمون بإذن الله

      1. تذكير ، قل سبحان الله

        الله عز وجل هو الذي يُسبح له .
        لا نسبّح للخلق ولكن ندعوا الله عز وجل أن يغفر للمؤمنين والمؤمنات وأن يرحمهم .

        قال الله تعالى
        والذين جاءو من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم

        اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات

        جزاك الله خيرا

        1. الآية الكريمة التي ذكرتُها :

          وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلْإِيمَـٰنِ وَلَا تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلًّۭا لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌۭ رَّحِيمٌ

          كلمة ” رءوف ” تُكتب بغير واو تحت الهمزة .

          أسأل الله أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه

          بارك الله فيكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى