إذاعة البيان

سلسلة علمية في بيان مسائل منهجية

بسم الله الرحمن الرحيم


إذاعة البيان

تقدم


سلسلة علمية في بيان مسائل منهجية


متوفرة: PDF + DOCX + MP3 + قراءة مباشرة


Please wait while flipbook is loading. For more related info, FAQs and issues please refer to DearFlip WordPress Flipbook Plugin Help documentation.


للإستماع


التفريغ

فهرس الحلقات


الحـــلــقـــة 1
الحـــلــقـــة 2
الحـــلــقـــتان 3 و 4
الحـــلــقـــتان 5 و 6

الحلقة الأولى

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شـريك له الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إمام الأولين والآخرين، أما بعد:

فهذه سلسلة إذاعية في بيان وتوضيح بعض مسائل المنهج والعقيدة، التي وقع فيها الالتباس والاشتباه على أبنائنا وإخواننا من جنود الدولة الإسلامية وسائر المسلمين في داخل دولة الخلافة وخارجها؛ وذلك بسبب التعميم الصادر عن اللجنة المفوضة المعنون له بالآية: {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} [الأنفال: 42]، الذي تم إيقاف وتعطيل العمل به؛ وذلك لما تضمنه من أخطاء علمية ومنهجية وعبارات موهمة حمالة أوجه، أدت إلى الوقوع في التنازع والاختلاف.

فكان لزاما علينا عدم تأخير البيان عن وقت دعت الحاجة إليه واشتدت، وأصبحت ضرورة ملحة؛ وذلك لجمع كلمة الدولة، وتأليف قلوب جنودها على الحق، وإفراغهم لصد عادية أمم الكفر عليها، والذب عن بيضة الإسلام وحرماته.

وقد حذرنا الله تعالى من التنازع والاختلاف أيما تحذير فقال سبحانه: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)} [الأنفال: 46]

وفي الوقت ذاته أمرنا بالجماعة وعظم شأنها ..

قال النبي ﷺ: «عليكم بالجماعة»، وقال ﷺ: «يد الله مع الجماعة»، وقال ﷺ: «وإياكم والفرقة؛ فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد».

وجاء في الحديث الذي أخرجه الترمذي وصححه، قال ﷺ: «وأنا آمركم بخمس أمرني الله بهن، السمع والطاعة، والجهاد والهجرة والجماعة، فإن من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه».

وإن من أسباب الفتنة والاختلاف والتنازع:

1 – ترك الاعتصام بالكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، والاعتماد على الأهواء وأقوال الرجال ..

قال تعالى: { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103].

وقال تعالى: {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101)} [آل عمران: 101].

قال ﷺ: “تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا: كتاب ?لله وسنتي”.

وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة ؓ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله يرضى لكم ثلاثا، ويكره لكم ثلاثا؛ فيرضـى لكم أن تعبدوه ولا تشـركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال».

وكان النبي ﷺ يقول إذا خطب: «أما بعد: فإن أحسن الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشـر الأمور محدثاتها».

وقال ابن عباس: “أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله تعالى”.

وعن التابعي الجليل ابن شهاب الزهري ؒ، قال: كان من مضـى من علمائنا يقولون: “الاعتصام بالسنة نجاة”.

وقال الإمام الأوزاعي ؒ: “عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك ورأي الرجال، وإن زخرفوه بالقول؛ فإن الأمر ينجلي وأنت على طريق مستقيم”.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ؒ: “وأهل السنة والجماعة يتبعون الكتاب والسنة، ويطيعون الله ورسوله، فيتبعون الحق، ويرحمون الخلق”. ([1])

وقال أيضا ؒ: “والفتنة والفرقة لا تقعان إلا من ترك ما أمر الله به، والله تعالى أمر بالحق والعدل وأمر بالصبر، والفتنة تكون من ترك الحق أو من ترك الصبر”. انتهى كلامه ؒ.

2 – ومن أسباب الاختلاف والتنازع عدم تمييز السنة من البدعة على بعض صغار المنتسبين للعلم أنصاف المتعلمين، الذين جعلوا أنفسهم في مصاف الأئمة المجتهدين، فتجد الواحد منهم يزعم أنه المهتدي، ويحسب أن السنة معه، وأن المخالف له ضال مبتدع وربما قال: كافر، فينشأ عن ذلك من التفرق والشـرور ما الله به عليم.

والسنة هي ما أمر به الله ورسوله، والبدعة هي ما لم يشرعه الله من الدين.

وقد قال سبحانه: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [النحل: 43].

وروى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ¶، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما، اتخذ الناس رءوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا».

وعن محمد بن سيرين ؒ، قال: “إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم”. انتهى كلامه.

ومن صفات رؤوس الضلالة (أهل البدع): أنهم يمررون باطلهم بعبارات شرعية رنانة، كحفظ جناب التوحيد، وملة إبراهيم، والتوحيد الخالص وغيرها؛ كما قالت الخوارج لعلي بن أبي طالب ؓ: “لا حكم إلا لله، وقالوا: “لا نحكم الرجال، نريد حكم الله”.

وهذه الأقوال لا تروج على أهل العلم، كما لا تروج الدنانير الزائفة على الصيرفي الحاذق، فقد فهم علي ؓ مغزى كلام الحرورية، ولم يرج عليه قولهم: (لا حكم إلا لله) كما راج على الجهال، حيث قال ؓ: “لا حكم إلا لله، {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ} [الروم: 60]، فما تدرون ما يقول هؤلاء؟ يقولون: لا إمارة، أيها الناس، إنه لا يصلحكم إلا أمير بر أو فاجر”.([2])

وفي صحيح مسلم عن عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ، أن الحرورية لما خرجت وهو مع علي بن أبي طالب ؓ قالوا: لا حكم إلا لله، قال علي: “كلمة حق أريد بها باطل، إن رسول الله ﷺ وصف ناسا إني لأعرف صفتهم في هؤلاء يقولون الحق بألسنتهم، لا يجاوز هذا منهم (وأشار ؓ إلى حلقه) من أبغض خلق الله إليه”.

قال النووي ؒ: “قوله: (قالوا لا حكم إلا لله، قال علي: كلمة حق أريد بها باطل) معناه: أن الكلمة أصلها صدق، قال الله تعالى: { إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [يوسف: 40]، لكنهم أرادوا بها الإنكار على علي ؓ في تحكيمه”. انتهى كلامه.

من أجل ذلك وجب على طالب الحق أن يبتغي الحق من مظانه، لا من المرجفين أنصاف المتعلمين، ولا من علماء الضلالة.

وكان سفيان بن عيينة وغيره من أهل العلم كالإمام أحمد وعبد الله بن المبارك يقولون: إذا اختلف الناس فانظروا ما عليه أهل الثغر؛ فإن الله سبحانه وتعالى يقول: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69].

فكيف تترك أخي المجاهد أهل الثغر من العلماء الذين نفروا إلى أرض الجهاد والإسلام، كيف تترك هذا المعين الصافي، ثم تذهب لتأخذ دينك عن القاعدين بين أحضان طواغيت جزيرة العرب وغيرها، وما كفرهم ولا أنكر عليهم، يخالط جنوده ورجال أمنه ومخابراته من غير أن يبين لهم ما ارتكبوه من نواقض.

ولا تغتر أخي بسجن الطاغوت لأحدهم، فقد يكون تلميعا وإشهارا له ولأقواله، وإدخالا له على الإخوة في السجون؛ لإحداث البلبلة وإلقاء الشبهات بينهم، وقد كانت لهم الفرصة سانحة إن كانوا أهل حق وصدق أن ينفروا إلى أرض الجهاد، ويهاجروا إلى دار الإسلام.

فإن الطاغوت الذي يؤوي أمثال هؤلاء المنظرين للغلو في التكفير، ويسمح برواج بدعتهم هو نفسه الذي يؤوي أهل التجهم والإرجاء ويعينهم على الترويج لبدعتهم، وما ذلك إلا لكون الطرفين والمنهجين يؤديان لنتيجة واحدة؛ وهي الطعن في أهل الحق وترك الهجرة والجهاد في سبيل الله تعالى.

أخي المجاهد: كيف بعد إذ نجاك الله من شباك علماء الطواغيت أهل الإرجاء، تعود فتقع في شباك علماء الطواغيت المروجين للغلو المصدرين للشبهات؛ لكي يقعدوك عن جهادك، ويردوك عن هجرتك، فيسلم من بأسك أولياؤهم من أعداء الله تعالى.

وقد قال بعض السلف: “ما أمر الله تعالى عباده بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان: فإما إلى? غلو، وإما إلى تقصير؛ فبأيهما ظفر قنع”.

كيف تترك علم من يحمل معك السلاح، ويقاتل معك في الصف من أهل العلم والفقه -لا أعني أنصاف المتعلمين-، وتسلم عقلك وذهنك إلى من لا يستأمن على دينه، وهو يعيش في دعة سالما مسالما للطواغيت، وينظر لك من بعيد؟!

مجموع الفتاوى (3/279)

3 – السبب الثالث من أسباب الاختلاف والتنازع: البغي، يقال بغى فلان على فلان؛ أي تعدى عليه بالقول أو الفعل وتجاوز حده.

قال ?لله تعالى: {وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ } [الشورى: 14].

وقال تعالى: {فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ } [الجاثية: 17].

وقال تعالى: { كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213)} [البقرة: 213].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ؒ: “الاجتهاد السائغ لا يبلغ مبلغ الفتنة والفرقة إلا مع البغي، لا لمجرد الاجتهاد … فلا يكون فتنة وفرقة مع وجود الاجتهاد السائغ، بل مع نوع بغي، وكل ما أوجب فتنة وفرقة فليس من الدين، سواء كان قولا أو فعلا …

وقال أيضا ؒ: “وعامة ما تنازعت فيه فرقة المؤمنين من مسائل الأصول وغيرها في باب الصفات والقدر والإمامة وغير ذلك: هو من هذا الباب؛ فيه المجتهد المصيب، وفيه المجتهد المخطئ، ويكون المخطئ باغيا، وفيه الباغي من غير اجتهاد، وفيه المقصر فيما أمر به من الصبر”. ([3]) انتهى كلامه.

وإن من البغي الاستطالة على المخالف، واتهامه في نيته، وقذف المسلم بالكفر أو البدعة تعديا وظلما جزافا من غير بينة …

أخرج ابن حبان في صحيحه عن حذيفة ؓ، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن ما أتخوف عليكم رجل قرأ القرآن حتى إذا رئيت بهجته عليه، وكان ردئا للإسلام، غيره إلى ما شاء الله، فانسلخ منه ونبذه وراء ظهره، وسعى على جاره بالسيف، ورماه بالشـرك»، قال: قلت: يا نبي الله، أيهما أولى بالشـرك، المرمي أم الرامي؟ قال: «بل الرامي».

وقال الآجري ؒ: “إن الله عز وجل بمنه وفضله أخبرنا في كتابه عمن تقدم من أهل الكتابين اليهود والنصارى، أنهم إنما هلكوا لما افترقوا في دينهم، وأعلمنا مولانا الكريم أن الذي حملهم على الفرقة عن الجماعة والميل إلى الباطل الذي نهوا عنه، إنما هو البغي والحسد، بعد أن علموا ما لم يعلم غيرهم، فحملهم شدة البغي والحسد إلى أن صاروا فرقا فهلكوا، فحذرنا مولانا الكريم أن نكون مثلهم فنهلك كما هلكوا، بل أمرنا عز وجل بلزوم الجماعة، ونهانا عن الفرقة، وكذلك حذرنا النبي ﷺ من الفرقة وأمرنا بالجماعة، وكذلك حذرنا أئمتنا ممن سلف من علماء المسلمين، كلهم يأمرون بلزوم الجماعة, وينهون عن الفرقة”. ([4]) انتهى كلام الآجري ؒ.

وننكر أشد النكير على من يبغي ويتعدى فيكفر العلماء أمثال ابن قدامة المقدسـي والنووي وابن حجر العسقلاني وغيرهم ô ممن لهم على أمة الإسلام أياد بيضاء في نشـر العلم ونصـرة الشـريعة، بل نحفظ مكانتهم ونترحم عليهم، ونعتذر عما بدر منهم من أخطاء وزلات.

قال الشعبي -أحد أئمة التابعين- ؒ: “كل أمة علماؤها شرارها، إلا المسلمين؛ فإن علماءهم خيارهم”. ([5])

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ؒ: دفع التكفير عن علماء المسلمين وإن أخطئوا هو من أحق الأغراض الشرعية”. ([6]) انتهى كلامه ؒ.

وقال الشيخ عبد الله بن الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ؒ: “ونحن كذلك: لا نقول بكفر من صحت ديانته، وشهر صلاحه، وعلم ورعه وزهده، وحسنت سيرته، وبلغ من نصحه الأمة ببذل نفسه لتدريس العلوم النافعة والتأليف فيها، وإن كان مخطئا في هذه المسألة أو غيرها”. انتهى كلامه ؒ.

وممن نثني عليهم، ونحفظ حقهم علينا أمراء الدولة الإسلامية من أبي مصعب الزرقاوي؛ أمير الاستشهاديين، الصادع بالحق والتوحيد، وقتّال أهل الشـرك والتنديد، مرورا بالشيخ المجاهد أبي عمر البغدادي صاحب العقيدة الراسخة والمواقف الشامخة، ووزيره الشيخ المجاهد أبي حمزة المهاجر صاحب التآليف والتصانيف النافعة، والشيخ أبي محمد العدناني قامع المنحرفين، وكاسر حدود الكافرين، والعالم الرباني أبي علي الأنباري، وغيرهم من أمراء هذه الدولة الذين قضوا في سبيل الله، نحسبهم والله حسيبهم، ولا نزكي على الله أحدا.

وستشتمل هذه السلسلة بإذن الله تعالى على بيان أمور منها:

* حكم التوقف في تكفير المشركين أو الكفار.

* حكم الطوائف الممتنعة، وحكم المخالف فيها.

* حكم ساكني ديار الكفر الطارئ.

ونسأل الله تعالى أن يبارك في هذه السلسلة العلمية، وأن يجعلها سببا لجمع كلمة المجاهدين على الكتاب والسنة، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

  • مجموع الفتاوى (3/279).
  • مصنف ﭐبن أبي شيبة (7/562/37931).
  • الاستقامة (1/37(.
  • الشـريعة (1/270).
  • مجموع الفتاوى (7/284).
  • مجموع الفتاوى (16/203) مجموع الفتاوى (35/103).
  • الحلقة الثانية

    السلسلة العلمية المنهجية 2

    (أصل الدين)

    الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، إمام الأولين والآخرين، أما بعد:

    ففي هذه الحلقة سنتناول الحديث عن أصل الدين، وهو موضوع في غاية الأهمية؛ وذلك لأنه لا يصح إيمان أحد إلا إذا أتى به.

    فما هو أصل الدين؟

    أصل الدين هو الإقرار بالله، وعبادته سبحانه وحده وترك عبادة ما سواه، والبراءة ممن أشرك به سبحانه.

    أربعة أمور …

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “وإبراهيم وموسى قاما بأصل الدين؛ الذي هو الإقرار بالله، وعبادته وحده لا شـريك له، ومخاصمة من كفر بالله”.([1]) انتهى كلامه.

    “والبراءة ممن أشرك به سبحانه” هو ما عبَّر عنه شيخ الإسلام ابن تيمية هنا بقوله: “ومخاصمة من كفر بالله”، فكلا العبارتين معناهما واحد: مخاصمة المشـركين والبراءة منهم.

    فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “وأصل الدين أن يكون الحب لله، والبغض لله، والموالاة لله، والمعاداة لله، والعبادة لله”. ([2]) انتهى كلامه.

    فنقول بناء على ما سبق: لو أن شخصا أتى بثلاثة أمور من أصل الدين ولم يأت بالرابع؛ كترك عبادة ما سوى الله تعالى، أو ترك البراءة ممن أشـرك به سبحانه، هل يصح إسلامه؟، الجواب: لا.

    فماذا يسمى؟، يسمى مشـركا كافرا.

    وهذا القدر الذي هو أصل الدين لا يعذر من لم يأت به أحد بلغ حد التكليف ولو كان جاهلا، سواء بلغته الحجة الرسالية أو لم تبلغه، أو بلفظ آخر سواء جاءه رسول أو لم يأته.

    قال إمام المفسـرين ابن جرير الطبري رحمه الله بعد ذكره لشـيء من أصل الدين، قال: “لا يعذر بالجهل به أحد بلغ حد التكليف؛ كان ممَّن أتاه من الله تعالى رسول، أو لم يأته رسول، عاين من الخلق غيره، أو لم يعاين أحدا سوى نفسه”.([3]) انتهى كلامه رحمه الله.

    لم يعاين أحدا سوى نفسه؛ يعني لم ير إلا نفسه؛ كمن كان في جزيرة نائية ولم ير أحدا من الناس سوى نفسه.

    نقول: فإذا جاءه رسول دخل في أصل الدين الإيمان به وبما جاء به على وجه الإجمال.

    إذن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم منذ بعثته إلى الآن، وبما جاء به على وجه الإجمال يدخل في أصل الدين؛ لأن أصل الدين هو الشهادتان.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “أصل الدين: شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدا عبده ورسوله”. ([4]) انتهى كلامه رحمه الله.

    طيِّب ما معنى (الإقرار بالله)؟

    يعني: الإيمان بوجوده تعالى، وأنه متصف بصفات الكمال، ومنزه عن النقائص والعيوب، وأنه سبحانه المتفرِّد بالخلق والأمر.

    قال الله تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: 54]

    والأمر منه ما هو كوني؛ أي أنه سبحانه يقول للشـيء كن فيكون، ومن الأمر ما هو شرعي؛ ويتمثل بتفرده سبحانه وتعالى بالتحليل والتحريم.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “فإن أصل الدين أنه لا حرام إلا ما حرمه الله، ولا دين إلا ما شرعه الله؛ فإن الله سبحانه في سورة الأنعام والأعراف عاب على المشـركين أنهم حرموا ما لم يحرمه الله، وأنهم شـرعوا من الدين ما لم يأذن به الله”. ([5]) انتهى كلامه رحمه الله.

    مرة ثانية: ما هو أصل الدين؟ هو الإقرار بالله، وعبادته سبحانه وحده وترك عبادة ما سواه، والبراءة ممن أشـرك به سبحانه، شرحنا الإقرار بالله.

    طيب، ما معنى: عبادته سبحانه وحده، وترك عبادة ما سواه، والبراءة ممن أشرك به سبحانه؟

    معناه: توحيد الله، ومحبة التوحيد وتحسينه، وموالاة أهله، وتقبيح الشـرك، واجتنابه، ومخاصمة أهله.

    قال ابن القيم رحمه الله: “واعلم أنه إن لم يكن حسن التوحيد وقبح الشـرك معلوما بالعقل، مستقرا في الفطر، فلا وثوق بشـيء من قضايا العقل؛ فإن هذه القضية من أجل القضايا البديهيات، وأوضح ما ركب الله في العقول والفطر”. ([6]) انتهى كلامه رحمه الله.

    وموالاة أهله: هذا هو الولاء؛ موالاة المؤمنين …، ومخاصمة أهله -يعني أهل الشـرك-: هذا هو البراء من المشركين …

    ومن هنا يتبيَّن أن الولاء والبراء يدخل في أصل الدين.

    ولكن ههنا مسألة؛

    وهي الفرق بين وجود العداوة للكافرين وبين إظهار العداوة، فالأول -وهو وجود العداوة- من أصل الدين، والثاني: وهو إظهار العداوة فمن واجبات الدين لا من أصله.

    قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ رحمه الله: “ومسألة إظهار العداوة غير مسألة وجود العداوة؛ فالأول: يعذر به مع العجز والخوف، لقوله تعالى: {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} [آل عمران: 28]، والثاني: لا بد منه؛ لأنه يدخل في الكفر بالطاغوت، وبينه وبين حب لله ورسوله تلازم كلي، لا ينفك عنه المؤمن”. ([7]) انتهى كلامه.

    أصل الدين كما قلنا: لا يُعذر بالجهل به أيُّ أحد؛ أي لا يصح إسلام من نقضه ولا يرتفع عنه اسم الكفر.

    لماذا لم يعتبر بجهل الرجل العاقل أو المرأة العاقلة في أصل الدين؟

    لأنه مما علم وثبت بالميثاق وضرورة الفطرة والعقل.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “وأصل الدين هو عبادة الله، الذي أصله الحب والإنابة والإعراض عما سواه، وهو الفطرة التي فطر عليها الناس”. ([8]) انتهى كلامه.

    وقال ابن القيم رحمه الله: “وأي شيء يصح في العقل إذا لم يكن فيه علم بقبح الشرك الذاتي، وأن العلم بقبحه بديهي معلوم بضـرورة العقل، وأن الرسل نبهوا الأمم على ما في عقولهم وفطرهم من قبحه”. ([9]) انتهى كلامه رحمه الله.

    ومن هنا نعلم أن أصل الدين لا يشترط فيه إقامة الحجة للحكم بالكفر على من لم يأت به؛ أي نحكم على من لم يأت بأصل الدين بالكفر، سواء أقيمت عليه الحجة أم لم تقم.

    ونؤكد على أنه لا عذر لأي أحد بالجهل في هذه المسائل، التي هي من أصل الدين؛ لأنها من العلوم الضرورية المستقرة في جميع الفطر والعقول، وبالتالي فمن انتقض أصل دينه فهو مشـرك، ولكن عذابه في الدنيا والآخرة متوقف على بلوغ الحجة الرسالية إليه.

    قال العلامة ابن القيم رحمه الله: “وأما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة، وعدم التمكن من معرفتها؛ فهذا الذي نفى الله التعذيب عنه حتى تقوم حجة الرسل”. ([10]) انتهى كلامه رحمه الله.

    سؤال: ما الذي يناقض أصل الدين؟

    الجواب: الشـرك …

    حيث قلنا في تعريف أصل الدين: أنه الإقرار بالله وعبادته سبحانه وحده وترك عبادة ما سواه، والبراءة ممن أشرك به سبحانه، إذن: الشرك بـالله يناقض أصل الدين وينافيه.

    ومعنى الشـرك شـرعا: هو جعل الشـريك أو الند لله تعالى في ربوبيته أو ألوهيته أو أسمائه وصفاته.

    فمثال شـرك الربوبية: أن يجعل مع الله خالق أو رازق أو مدبر أو حاكم أو مشـرع.

    ومثال الشـرك في الألوهية: السجود أوالدعاء أوالنذر أوالذبح لغير الله.

    ومثال الشـرك في الأسماء والصفات: تعطيلها مثل نفي العلم والسمع والبصـر عن الله، أو تشبيهه سبحانه وتعالى بخلقه.

    وكل هذا الشـرك لم يعذر فيه أحد من المشـركين بجهله؛ لأنه يناقض أصل الدين، والله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم حكم بكفر الأتباع والمقلدين، وحكم بكفر الأميين من أهل الكتاب مع جهلهم، وحكم بكفر جهلة مشـركي العرب قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال العلامة ابن القيم رحمه الله: “من مات مشـركا فهو في النار، وإن مات قبل البعثة؛ لأن المشـركين كانوا قد غيَّروا الحنيفية دين إبراهيم واستبدلوا بها الشـرك وارتكبوه، وليس معهم حجة من الله به، وقبحه والوعيد عليه بالنار لم يزل معلوما من دين الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم، وأخبار عقوبات الله لأهله متداولة بين الأمم قرنا بعد قرن، فلله الحجة البالغة على المشـركين في كل وقت، ولو لم يكن إلا ما فطر عباده عليه من توحيد ربوبيته المستلزم لتوحيد إلهيته، وأنه يستحيل في كل فطرة وعقل أن يكون معه إله آخر، وإن كان سبحانه لا يعذب بمقتضـى هذه الفطرة وحدها، فلم تزل دعوة الرسل إلى التوحيد في الأرض معلومة لأهلها، فالمشـرك يستحق العذاب بمخالفته دعوة الرسل، والله أعلم”. انتهى كلامه رحمه الله.

    وأما الجهلة من المشـركين بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم من المنتسبين للإسلام وغيرهم فالأمر فيهم أشد؛ لأن غالب جهلهم جاء من جهة الإعراض عن رسالته صلى الله عليه وسلم، والإعراض بمجرده كفر، فكيف لو كان معه شـرك؟!

    قال الشوكاني رحمه الله: “ومن وقع في الشرك جاهلا لم يعذر، لأن الحجة قامت على جميع الخلق بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم، فمن جهل فقد أتي من قبل نفسه؛ بسبب الإعراض عن الكتاب والسنة، وإلا ففيهما البيان الواضح؛ كما قال سبحانه في القرآن: {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً} [النحل: 89]، وكذلك السنة: قال أبو ذر رضي الله عنه: ” توفي محمد صلى الله عليه وسلم وما ترك طائرا يقلب جناحيه بين السماء والأرض إلا ذكر لنا منه علما”، أو كما قال رضي الله عنه؛ فمن جهل فبسبب إعراضه، ولا يعذر أحد بالإعراض”. انتهى كلامه رحمه الله.

    هذا وأدلة عدم عذر الجاهل في الشـرك والذي يناقض أصل الدين كثيرة.

    منها قوله تعالى: {فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأعراف: 30].

    قال الطبري رحمه الله: “يقول تعالى ذكره: إن الفريق الذي حق عليهم الضلالة، إنما ضلوا عن سبيل الله وجاروا عن قصد المحجة، باتخاذهم الشياطين نصـراء من دون الله وظهراء؛ جهلا منهم بخطأ ما هم عليه من ذلك، بل فعلوا ذلك وهم يظنون أنهم على هدى وحق، وأن الصواب ما أتوه وركبوا.

    وهذا من أبين الدلالة على خطأ قول من زعم أن الله لا يعذب أحدا على معصية ركبها أو ضلالة اعتقدها، إلا أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها، فيركبها عنادا منه لربه فيها؛ لأن ذلك لو كان كذلك، لم يكن بين فريق الضلالة الذي ضل وهو يحسب أنه هاد، وفريق الهدى فرق، وقد فرق الله بين أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية”. ([11]) انتهى كلامه رحمه الله.

    ومن الأدلة على عدم عذر الجاهل في الشـرك: قوله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: 103، 104].

    قال الطبري رحمه الله: “وهذا من أدل الدلائل على خطأ قول من زعم أنه لا يكفر بالله أحد إلا من حيث يقصد إلى الكفر بعد العلم بوحدانيته؛ وذلك أن الله -تعالى ذكره- أخبر عن هؤلاء الذين وصف صفتهم في هذه الآية، أن سعيهم الذي سعوا في الدنيا ذهب ضلالا، وقد كانوا يحسبون أنهم محسنون في صنعهم ذلك، وأخبر عنهم أنهم هم الذين كفروا بآيات ربهم، ولو كان القول كما قال الذين زعموا أنه لا يكفر بالله أحد إلا من حيث يعلم لوجب أن يكون هؤلاء القوم في عملهم الذي أخبر الله عنهم أنهم كانوا يحسبون فيه أنهم يحسنون صنعه، كانوا مثابين مأجورين عليها، ولكن القول بخلاف ما قالوا، فأخبر جل ثناؤه عنهم: أنهم بالله كفرة، وأن أعمالهم حابطة”. ([12]) انتهى كلامه رحمه الله.

    طيب: إذا حكمنا على شخص ما بالكفر والشـرك، ما الذي يترتب على ذلك؟

    يترتب على حكمنا على أحد بالكفر والشـرك ولو كان جاهلا: قطع الموالاة الإيمانية بيننا وبينه حتى يتوب إلى الله تعالى، وعدم التناكح معه أو أكل ذبيحته، وكذا عدم الاستغفار له إن مات على ذلك، وأنه لا حظ له من الحقوق التي أوجبها الله للمسلمين، وغير ذلك من الأحكام.

    وأما تعذيبه في الدنيا والآخرة فهذا متوقف على قيام الحجة الرسالية، وهذا على الصحيح من أقوال العلماء، ودليله قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]، وقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15].

    ونؤكد على: أن من وقع في الشـرك من هذه الأمة فهو مشـرك كافر أيضا، وإن كان مدعيا للإسلام ناطقا بالشهادتين.

    قال تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: 65].

    وقال تعالى بعد ذكره لأنبيائه عليهم السلام: {ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 88].

    وهذه الآيات من أقوى الأدلة على أن الإسلام يحبط بالشـرك، وأن من أشرك من هذه الأمة فهو كافر، وإن كان ناطقا بالشهادتين عاملا بشعائر الإسلام الأخرى.

    ونختم بمسألتين:

    الأولى: لو كان إنسان قائما بأصل الدين يعبد الله ولا يشـرك به شيئا، ويؤمن برسوله صلى الله عليه وسلم، لكنه يجهل مصطلح أصل الدين.

    بمعنى أنك لو سألته: ما هو أصل الدين تلعثم أو لم يحر جوابا، فلا يضـره ذلك؛ لقيامه بأصل الدين، إذ لا يضـره عدم معرفة ما اصطُلح عليه في هذه المسائل والمعاني.

    والدليل على ما ذكرنا: ما جاء في الصحيحين -واللفظ للبخاري-: عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال: أنا رديف النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا معاذ)، قلت: لبيك وسعديك، ثم قال مثله ثلاثا: (هل تدري ما حق الله على العباد)، قلت: لا، قال: (حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشـركوا به شيئا).

    فتصـريح معاذ رضي الله عنه بأنه يجهل حق الله على عباده لم يوقعه في الكفر أو الشرك؛ لأنه قائم بهذا الحق وإن لم يعلم الاصطلاح الشرعي الذي يدل على ذلك المعنى.

    المسألة الثانية: أن إحدى المسائل التي ذكرنا أنها من أصل الدين قد يخفى على بعض طلبة العلم أنها من أصل الدين، وهي مسألة عداوة المشـركين، وموالاة المؤمنين؛ فيظن أنها من واجبات الدين لا من أصله، أو يتوقف فيها، فهذا لا يعد ناقضا لأصل الدين طالما أنه حقق البراءة من المشـركين، والموالاة للمؤمنين.

    قال الشيخ سليمان بن عبد الله رحمه الله: “بحسب المسلم أن يعلم: أن الله افترض عليه عداوة المشـركين وعدم موالاتهم، وأوجب عليه محبة المؤمنين وموالاتهم، وأخبر أن ذلك من شروط الإيمان، ونفى الإيمان عمن يواد {مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة: 22]، وأما كون ذلك من معنى لا إله إلا الله أو لوازمها، فلم يكلفنا الله بالبحث عن ذلك، إنما كلفنا بمعرفة أن الله فرض ذلك وأوجبه، وأوجب العمل به، فهذا هو الفرض والحتم الذي لا شك فيه، ومن عرف أن ذلك من معناها، أو من لازمها فهو حسن، وزيادة خير، ومن لم يعرفه فلم يكلف بمعرفته، لا سيما إذا كان الجدال والمنازعة فيه مما يفضي إلى شـر واختلاف، ووقوع فرقة بين المؤمنين، الذين قاموا بواجبات الإيمان، وجاهدوا في الله، وعادوا المشـركين، ووالوا المسلمين”. ([13]) انتهى كلامه رحمه الله.

    ونكتفي بهذا القدر، ونسأل الله تعالى أن ينفعنا بما علمنا، وأن يجمع كلمتنا على الحق، وأن يجعلنا هداة مهديين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

  • مجموع الفتاوى (16/203).
  • منهاج السنة النبوية (5/255).
  • التبصير في معالم الدين (ص126-132).
  • مجموع الفتاوى (1/10).
  • مجموع الفتاوى (20/357).
  • مدارج السالكين (3/455).
  • الدرر السنية (8/359).
  • مجموع الفتاوى (15/438).
  • مدارج السالكين (1/253).
  • طريق الهجرتين (ص414).
  • تفسير الطبري (12/388).
  • تفسير الطبري (18/128).
  • الدرر السنية (8/166).
  • الحلقتان الثالثة والرابعة

    سلسلة علمية

    في بيان مسائل منهجية

    (3-4)

    تَكْفِيرُ الْمُشْـرِكِينَ

    الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شـريك له الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إمام الأولين والآخرين، أما بعد:

    ففي هذه الحلقة نبدأ الحديث -بعون الله تعالى- عن تكفير المشـركين، وسنتكلم عن مسألتين:

    المسألة الأولى: سنجيب فيها على سؤال: ما هي منزلة التكفير من الدين؟

    المسألة الثانية: نذكر فيها العلة أو المناط أو السبب في كفر المتوقف في تكفير المشـركين.

    وقبل الشـروع في ذلك نذكر بعض نصوص أهل العلم في كفر من لم يكفر الكافر…

    قال أبو الحسين الملطي الشافعي -رحمه الله-: “جميع أهل القبلة لا اختلاف بينهم أن من شك في كافر فهو كافر”. (1) انتهى كلامه.

    وقال القاضـي عياض -رحمه الله: “نكفر من لم يكفر من دان بغير ملة المسلمين من الملل، أو وقف فيهم، أو شك، أو صحح مذهبهم، وإن أظهر مع ذلك الإسلام واعتقده واعتقد إبطال كل مذهب سواه، فهو كافر بإظهاره ما أظهر من خلاف ذلك”. (2) انتهى كلامه.

    وقال النووي -رحمه الله-: “من لم يكفر من دان بغير الإسلام كالنصارى، أو شك في تكفيرهم، أو صحح مذهبهم، فهو كافر”. (3)

    ونص الحجاوي -رحمه الله- على أن من “لم يكفر من دان بغير الإسلام؛ كالنصارى، أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم… فهو كافر”.(4) انتهى كلامه.

    ونص البهوتي -رحمه الله- على تكفير من ” لم يكفر من دان بغير دين الإسلام كأهل الكتاب، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم”.(5)

    وقال الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-: “من لم يكفر المشـركين، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم كفر إجماعا”. ا.هـ(6)

    انتهى كلامهم رحمهم الله.

    ونشـرع الآن في بيان المسألة الأولى: وهي الإجابة على سؤال: ما هي منزلة التكفير من الدين؟

    والجواب هو أن التكفير حكم شـرعي محض، لا مدخل للعقل فيه، ولا يدخل تحت مسائل ومعاني أصل الدين، والتي سبق وأن بيناها في الحلقة السابقة.

    إذن تكفير المشـركين من واجبات الدين وليس من أصل الدين.

    طيب ما الفرق؟

    الفرق أن ما كان من أصل الدين، فإنه لا يعذر المرء فيه بجهل، ولا تشترط إقامة الحجة على تاركه أو تارك بعضه.

    أما التكفير فهو حكم شـرعي قد يعذر فيه بالجهل والتأويل.

    ثم إن التكفير ليس على مستوى واحد، بل له مراتب، فأعلاها ما هو معلوم من الدين بالضـرورة؛ كتكفير من كفرهم الله تعالى في كتابه على التعيين؛ كإبليس وفرعون وكل من دان بغير الإسلام؛ كاليهود والنصارى وعباد الأصنام.

    وأدناها ما اختلف في تكفير مرتكبه؛ كتارك الصلاة وغير ذلك، وبينهما مراتب متفاوتة، وهو ما سوف نتناوله في حلقة قادمة بإذن الله تعالى.

    قلنا: إن التكفير من واجبات الدين، وأنه حكم شـرعي، وليس له مورد سوى الأدلة الشـرعية، ولا مدخل للعقل فيه، وقد تتابع أهل العلم على تقرير ذلك وتأكيده، وإليكم بعض أقوالهم:

    قال القاضـي عياض -رحمه الله-: “فصل في بيان ما هو من المقالات كفر وما يتوقف أو يختلف فيه، وما ليس بكفر: اعلم أن تحقيق هذا الفصل وكشف اللبس فيه مورده الشـرع، ولا مجال للعقل فيه”.(7) انتهى كلامه.

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- : “التكفير حكم شـرعي، يرجع إلى إباحة المال، وسفك الدماء، والحكم بالخلود في النار، فمأخذه كمأخذ سائر الأحكام الشـرعية”.(8)

    وقال -رحمه الله-: “فإن الكفر والفسق أحكام شـرعية، ليس ذلك من الأحكام التي يستقل بها العقل؛ فالكافر من جعله الله ورسوله كافرا، والفاسق من جعله الله ورسوله فاسقا، كما أن المؤمن والمسلم من جعله الله ورسوله مؤمنا ومسلما..-إلى أن قال: – فهذه المسائل كلها ثابتة بالشـرع”.(9)

    وقال -رحمه الله-: “الإيمان والكفر هما من الأحكام التي ثبتت بالرسالة، وبالأدلة الشـرعية يميز بين المؤمن والكافر، لا بمجرد الأدلة العقلية”. (10) انتهى كلامه.

    وقال العلامة ابن القيم -رحمه الله- :

    الكفر حق الله ثم رسوله

    بالنص يثبت لا بقول فلان

    من كان رب العالمين وعبده

    قد كفراه فذاك ذو الكفران(11)

    وقال ابن الوزير الصنعاني -رحمه الله: “أن الدليل على الكفر والفسق لا يكون إلا سمعيا قطعيا، ولا نزاع في ذلك”.(12) انتهى كلامه

    وعليه نقول: إن من جهل حكم الشـرع في أحد الكفار أو المشـركين أو إحدى طوائفهم: لا يكون حكمه كحكم من أشـرك، لأن الذي أشـرك نقض أصل الدين؛ كما ذكرنا في الحلقة السابقة، وإنما حكمه كحكم كل من جهل شـريعة أو فريضة من فرائض الإسلام، فمن قامت عليه الحجة الرسالية في ذلك كفر، ومن لم تبلغه الحجة الرسالية في ذلك فليس بكافر، بخلاف من جهل التوحيد؛ الذي هو أصل الدين؛ فإنه كافر كفر جهل.

    هذا وقد تتابع أهل العلم على تقرير الفرق بين الجهل بأصل الدين والجهل بالواجبات الشـرعية:

    فقد نقل الإمام محمد بن نصـر المروزي عن طائفة من أهل الحديث قولهم: “ولما كان العلم بـالله إيمانا والجهل به كفرا، وكان العمل بالفرائض إيمانا والجهل بها قبل نزولها ليس بكفر … إلى أن قالوا: وإنما يكفر من جحدها لتكذيبه خبر الله، ولو لم يأت خبر من الله ما كان بجهلها كافرا، وبعد مجيء الخبر من لم يسمع بالخبر من المسلمين لم يكن بجهلها كافرا، والجهل بـالله في كل حال كفر، قبل الخبر وبعد الخبر”. (13) انتهى كلامه -رحمه الله-

    وأما صفة قيام الحجة وكيفية تحقيق هذا الشـرط قبل التكفير، فإن ذلك يختلف بحسب ظهور المسألة وخفائها، فقد تقوم الحجة بمجرد وجود المتوقف عن التكفير في مظنة العلم، بحيث يكون بتوقفه معرضا لا جاهلا، وبحيث لا يعذر إلا من كان حديث عهد بإسلام، أو نشأ في بادية بعيدة، وقد تكون إقامة الحجة بتبيين النص الشـرعي الدال على كفر من فعل كذا أو قال كذا، ولا يكتفى بمجرد البلوغ العام للقرآن، وقد تكون إقامة الحجة بتبيين الدليل مع إزالة الشبهة والإجابة عن الدليل المعارض، وسيأتي مزيد توضيح لهذه المسألة عند الحديث عن مراتب المتوقفين.

    ويستدل على التفريق بين الجهل بالشـرائع والجهل بأصل الدين أو على أن تكفير المشـركين من الشـرائع ليس من أصل الدين بعدة من الأدلة، أذكر منها:

    إن جميع الأنبياء عليهم السلام بدءوا أقوامهم بالدعوة إلى عبادة الله وحده لا شـريك له، ولو أن الجهل بأحكام التكفير كفر لما تأخر بيانها عن بيان أصل الدين لحظة واحدة.

    ومن الأدلة أيضا على التفريق أن التكفير من واجبات الدين وأنه حكم شـرعي وليس من أصل الدين ما ثبت أن من الصحابة رضي الله عنهم، من توقف في تكفير قوم وقعوا في الردة، وسموهم مسلمين، ولما نزلت الآيات التي بينت كفر هؤلاء القوم لم يستتابوا من توقفهم، بينما ثبت أن أحد الصحابة وقع في الشـرك جاهلا، ومع ذلك كفره الصحابة، وأمره النبي صلى الله عليه وسلم بتجديد إسلامه، وهذا يدل على الفرق بين من وقع في الشـرك جاهلا، وبين من جهل الشـرائع.

    فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: “كان قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشـركون معهم يوم بدر، فأصيب بعضهم وقتل بعض، فقال المسلمون: “كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا فـــاستغفروا لهم”، فنزلت: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 97، 98]، قال: فكتب إلي من بقي من المسلمين بهذه الآية، وأنه لا عذر لهم، قال: فخرجوا فلحقهم المشـركون فأعطوهم الفتنة، فنزلت فيهم هذه الآية: }وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ{[العنكبوت: ١٠] الْآيَةَ”.(14)

    قال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله : “فأنزل الله هذه الآية، وبين فيها حكم هؤلاء المشـركين، وأنهم من أهل النار مع تكلمهم بالإسلام”.(15) انتهى كلامه.

    وعن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قال: كنا نذكر بعض الأمر، وأنا حديث عهد بالجاهلية، فحلفت باللات والعزى، فقال لي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: بئس ما قلت، ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره؛ فإنا لا نراك إلا قد كفرت، فلقيته فأخبرته، فقال: «قل: لا إله إلا الله وحده ثلاث مرات، وتعوذ من الشيطان ثلاث مرات، واتفل عن شمالك ثلاث مرات، ولا تعد له».(16)

    وقال ابن الوزير الصنعاني-رحمه الله- معلقا على هذا الحديث: “وهذا أمر بتجديد الإسلام”.(17) انتهى كلامه.

    وقال ابن العربي المالكي -رحمه الله- “فمن قال في الإسلام في يمينه واللات والعزى مؤكدا ليمينه بذلك على معنى التعظيم فيه: كافر حقيقة”. ا.هـ(18)

    وقال الشيخ سليمان بن عبد الله -رحمه الله- : “أخذ به -يعني حديث سعد -رضي الله عنه-طائفة من العلماء فقالوا يكفر من حلف بغير الله كفر شـرك، قالوا: ولهذا أمره النبي صلى الله عليه وسلم بتجديد إسلامه بقول لا إله إلا الله، فلولا أنه كفر ينقل عن الملة لم يؤمر بذلك، وقال الجمهور: لا يكفر كفرا ينقله عن الملة، لكنه من الشـرك الأصغر”.(19) انتهى كلامه.

    فلم يعذر- رضي الله عنه- في ذلك مع أنه حديث عهد بجاهلية..

    ومن الأدلة أيضا على التفريق أن التكفير من واجبات الدين، وأنه حكم شـرعي وليس من أصل الدين الذي لا يعذر فيه أحد: ما روي أن الصحابة -رضي الله عنهم- اختلفوا في تكفير بعض المرتدين، فلما بين الله تعالى كفر هؤلاء القوم لم يأمر من توقف فيهم بتجديد إسلامه.

    فقد قال الله تعالى: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا * وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [النساء: 88 – 89]

    وصح في سبب نزولها أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد، فرجع ناس ممن كان معه، فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين، قال بعضهم: “نقتلهم”، وقال بعضهم: “لا”.(20)

    وصح عن مجاهد -رحمه الله- أنه قال: “قوم خرجوا من مكة حتى أتوا المدينة يزعمون أنهم مهاجرون، ثم ارتدوا بعد ذلك، فـاستأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة؛ ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها، فـاختلف فيهم المؤمنون، فقائل يقول: “هم منافقون”، وقائل يقول: “هم مؤمنون”، فبين الله نفاقهم، فأمر بقتالهم”.(21)

    وقد روي بهذا المعنى عن عبد الرحمن بن عوف، وابن عباس -رضي الله عنهم-، وصح بنحوه مرسلا عن عدة من التابعين وهم: عكرمة، والسدي، وقتادة، ومحمد بن كعب القرظي رحمهم الله.

    وقال الإمام الطبري -رحمه الله- في تأويل قوله تعالى: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا { [النساء: ٨٨]، قال: “يعني بذلك: والله ردهم إلى أحكام أهل الشـرك في إباحة دمائهم، وسبي ذراريهم”. (22) انتهى كلامه.

    وقد رجح الإمام الطبري أن هذه الآية نزلت في قوم ارتدوا عن الإسلام، حيث قال بعدما ذكر أقوال السلف في سبب نزولها: “وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك: قول من قال: نزلت هذه الآية في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوم كانوا ارتدوا عن الإسلام بعد إسلامهم من أهل مكة”.(23) انتهى كلامه.

    وقال ابن أبي زمنين -رحمه الله-: “هم قوم من المنافقين كانوا بالمدينة؛ فخرجوا منها إلى مكة، ثم خرجوا من مكة إلى اليمامة تجارا فـارتدوا عن الإسلام، وأظهروا ما في قلوبهم من الشـرك، فلقيهم المسلمون، فكانوا فيهم فئتين؛ أي فرقتين، فقال بعضهم: قد حلت دماؤهم؛ هم مشـركون مرتدون، وقال بعضهم: لم تحل دماؤهم؛ هم قوم عرضت لهم فتنة، فقال الله تعالى: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ}”.(24) انْتَهَىٰ كَلَامُهُ رحمه الله.

    ومن الأدلة أيضا: ما رجحه طائفة من العلماء أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- توقف في تكفير مانعي الزكاة في بادئ أمرهم، ولما بين له أبو بكر -رضي الله عنه- كفرهم وافقه، ولم يستتبه على توقفه فيهم.

    فقد صح عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال لأبي بكر -رضي الله عنه- في شأن “المرتدين” : كيف تقاتل الناس؟ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله ».(25)

    وقد توقف بعض أئمة السلف -في بادئ الأمر- كفر من قال بخلق القرآن، ومنهم توقف في كفر الجهمية على الرغم من شدته، فلم يكونوا بذلك كفارا، ولما تبين لهم الدليل على كفرهم لم يتوقفوا فيهم، ولم يجددوا إسلامهم لأجل ما سبق من توقفهم.

    فعن يعقوب بن إبراهيم الدورقي، قال: “سألت أحمد بن حنبل عمن يقول: القرآن مخلوق، فقال: “كنت لا أكفرهم حتى قرأت آيات من القرآن: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} [البقرة: 145]، وَقَوْلَهُ: {بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} [البقرة: 120[” وقوله: {أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ } [النساء: 166]” .(26)

    وعن ابن عمار الموصلي -رحمه الله- قال: “يقول لي ابن المديني: ما يمنعك أن تكفرهم؟! -يعني: الجهمية- قال: وكنت أنا أولا أمتنع أن أكفرهم حتى قال ابن المديني ما قال، فلما أجاب إلى المحنة، كتبت إليه كتابا أذكره الله، وأذكره ما قال لي في تكفيرهم”.(27)

    وبذلك نكون قد انتهينا من المسألة الأولى…

    ونشـرع الآن في بيان المسألة الثانية: وهي ما هو المناط أو العلة أو السبب في كفر المتوقف في تكفير المشـركين.

    الجواب: هو تكذيب الشـرائع وردها.

    فبالنظر إلى نصوص أهل العلم في هذا الناقض يظهر جليا ما قرروه من أن مناط الكفر في المتوقف في الكافر يرجع إلى تكذيب الشـرائع وردها، لا من جهة انتقاض أصل الدين.

    وقد تتابع أكثر أهل العلم على ذكر هذا المناط بناء على أن الكفر إنما يكون بإنكار الأحكام المتواترة المجمع عليها، أو بإنكار المعلوم من الدين ضـرورة.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: “والكفر إنما يكون بإنكار ما علم من الدين ضـرورة، أو بإنكار الأحكام المتواترة المجمع عليها ونحو ذلك”. ا.هـ(28)

    * وإليكم بعض ما وقفنا عليه من أقوال أهل العلم الذين نصوا على مناط كفر المتوقف في الكافر:

    فقد علل القاضـي عياض تكفير المتوقف في اليهود والنصارى ومن فارق دين الإسلام بما نقله عن الباقلاني، قال: “لأن التوقيف والإجماع اتفقا على كفرهم، فمن وقف في ذلك فقد كذب النص والتوقيف، أو شك فيه، والتكذيب أو الشك فيه لا يقع إلا من كافر”.(29) انتهى كلامه.

    وقال ابن الوزير الصنعاني -رحمه الله- في تكفير الشاك في عابد الصنم ومن لم يكفره: “ولا علة لذلك إلا أن كفره معلوم من الدين ضـرورة”. (30) انتهى كلامه.

    وعلل الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- تكفير من قال: (أن من شهد الشهادتين لا يجوز تكفيره ولو عبد غير الله)، فقال: “لأن قائل هذا القول مكذب لله ورسوله، وإجماع المسلمين”. (31) انتهى كلامه

    وقال بعض أئمة الدعوة النجدية: “فإن الذي لا يكفر المشـركين غير مصدق بالقرآن، فإن القرآن قد كفر المشـركين، وأمر بتكفيرهم، وعداوتهم وقتالهم”.(32) انتهى كلامهم.

    ونكتفي بهذا القدر، وإلى لقاء آخر في حلقة قادمة إن شاء الله تعالى…

    ونسأل الله تعالى العون والتوفيق والسداد، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا…

    الْحَلَقَةُ الرابعة

    الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شـريك له الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إمام الأولين والآخرين، أما بعد:

    فهذه حلقة نتناول فيها الحديث -بعون الله تعالى- عن مسألتين:

    الأولى: هل تكفير المشـركين كله على مرتبة واحدة أم على مراتب…

    والثانية: نذكر فيها مراتب المتوقفين في تكفير المشـركين…

    ونشـرع الآن في المسألة الأولى: هل تكفير المشـركين كله على مرتبة واحدة أم على مراتب؟

    • والجواب: نص أهل العلم على أن التكفير حكم شـرعي له مراتب بحسب أمرين:

    فالأول: قوة ثبوته في الشـرع؛ أي وضوح وظهور الدليل الشـرعي على كفر فلان من الناس، وهو ما يعرف بمعرفة الحكم…

    والثاني: قوة ثبوته على المعين الذي وقع في الشـرك أو الكفر، وهو ما يسمى بمعرفة الحال، ويكون من خلال الرؤية أو السماع أو شهادة الشهود…

    فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “التكفير حكم شـرعي، يرجع إلى إباحة المال، وسفك الدماء، والحكم بالخلود في النار، فمأخذه كمأخذ سائر الأحكام الشـرعية، فتارة يدرك بيقين، وتارة يدرك بظن غالب، وتارة يتردد فيه، ومهما حصل تردد فالتوقف عن التكفير أولى، والمبادرة إلى التكفير إنما تغلب على طباع من يغلب عليهم الجهل “.(1) انتهى كلامه رحمه الله.

    وذلك بخلاف من زعم أن جميع صور الكفر أو الشـرك على مرتبة واحدة؛ بحيث يستوي في إدراكها العالم والجاهل، ولا شك في بطلان هذا القول، ومخالفته لما قرره أهل العلم في هذا الشأن، بل ومخالفته للنصوص التي دلت على أن الكفر بعضه أشد من بعض.

    قَالَ تَعَالَىٰ: {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ} [آل عمران: 167]، وَقَالَ تَعَالَىٰ: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا} [آل عمران: 90]، وَقَالَ تَعَالَىٰ: {الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا} [التوبة: 97].

    أما المسألة الثانية: وهي مراتب المتوقفين في تكفير المشـركين…

    فنقول: إن للمتوقفين في المشـركين مراتب يؤثر فيها قوة الدليل الشـرعي، وظهور الكفر أو الشـرك…

    قال الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: “فهؤلاء الطواغيت الذين يعتقد الناس فيهم من أهل الخرج وغيرهم مشهورون عند الخاص والعام بذلك، وأنهم يترشحون له، ويأمرون به الناس: كلهم كفار مرتدون عن الإسلام، ومن جادل عنهم، أو أنكر على من كفرهم، أو زعم أن فعلهم هذا لو كان باطلا فلا يخرجهم إلى الكفر: فأقل أحوال هذا المجادل أنه فاسق، لا يقبل خطه ولا شهادته، ولا يصلى خلفه”. (2) انتهى كلامه رحمه الله.

    فتأمل كلامه؛ كيف أنه جعل للمتوقف في هؤلاء الطواغيت أحوالا أقلها الفسق، وهذا يؤكد على أن للمتوقفين في المشـركين أحوالا ومراتب.

    * وهذه المراتب يؤثر فيها قوة الدليل الشـرعي، وظهور الكفر أو الشـرك بغض النظر عن شدته؛ فقد يكون الشـرك أشد في حال من الأحوال، ولكنه في الظهور أقل مما هو أخف منه شدة.

    مثال ذلك: شـرك عباد الأصنام مع شـرك الجهمية؛ فالحكم بتكفير المتوقف في عباد الأصنام أقوى من الحكم بتكفير المتوقف في الجهمية؛ وذلك لأن عبادة الأصنام أشد ظهورا من التجهم، مع أن التجهم أشد شـركا.

    قال العلامة ابن القيم رحمه الله: “فإن المشـرك المقر بصفات الرب خير من المعطل الجاحد لصفات كماله… فأين القدح في صفات الكمال والجحد لها من عبادة واسطة بين المعبود الحق وبين العابد، يتقرب إليه بعبادة تلك الواسطة إعظاما له وإجلالا؟ فداء التعطيل هذا الداء العضال الذي لا دواء له”.(3)

    وقال أيضا رحمه الله: “فشـرك عباد الأصنام والأوثان والشمس والقمر والكواكب خير من توحيد هؤلاء بكثير، فإنه شـرك في الإلهية مع إثبات صانع العالم وصفاته وأفعاله وقدرته ومشيئته وعلمه بالكليات والجزئيات، وتوحيد هؤلاء تعطيل لربوبيته وإلهيته وسائر صفاته، وهذا التوحيد ملازم لأعظم أنواع الشـرك، ولهذا كلما كان الرجل أعظم تعطيلا كان أعظم شـركا”.(4) انتهى كلامه رحمه الله.

    بناء على ما سبق؛ سنذكر مراتب المتوقفين في المشـركين أو الكفار بناء على ظهور الأدلة على كفرهم وشهرتها، معتمدين على نصوص أهل العلم في ذلك:

    المرتبة الأولى- من توقف فيمن علم كفره بالضـرورة من دين أهل الملل، فمن ذلك:

    أولا: من توقف في إبليس أو فرعون أو مدع الإلهية لنفسه أو لغيره.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في تكفير من لم يكفر فرعون: “وقد علم بالاضطرار من دين أهل الملل؛ المسلمين واليهود والنصارى: أن فرعون من أكفر الخلق بـالله”. (5) انتهى كلامه رحمه الله.

    ثانيا: من توقف في عباد الأصنام، ولو انتسبوا للإسلام.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في تكفير من صحح عبادة الأصنام: “ومن لم يكفرهم فهو أكفر من اليهود والنصارى؛ فإن اليهود والنصارى يكفرون عباد الأصنام”.(6) انتهى كلامه.

    وقال ابن الوزير الصنعاني رحمه الله: “ولا شك أن من شك في كفر عابد الأصنام وجب تكفيره، ومن لم يكفره، ولا علة لذلك إلا أن كفره معلوم من الدين ضـرورة”.(7) انتهى كلامه.

    وحكم المتوقف في هذه المرتبة الكفر، ولا يعذر بالجهل في ذلك كل من بلغته الحجة الرسالية.

    المرتبة الثانية- من توقف فيمن علم كفرهم بالضـرورة من دين المسلمين خاصة؛ كمن توقف في اليهود والنصارى، أو كل من فارق دين الإسلام.

    قال القاضـي عياض رحمه الله: “نكفر من لم يكفر من دان بغير ملة المسلمين من الملل، أو وقف فيهم، أو شك، أو صحح مذهبهم”.(8) انتهى كلامه.

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “ومن لم يحرم التدين بعد مبعثه صلى الله عليه وسلم بدين اليهود والنصارى، بل من لم يكفرهم ويبغضهم فليس بمسلم بـاتفاق المسلمين”. (9) انتهى كلامه.

    وحكم المتوقف في هذه المرتبة الكفر، ولا يعذر بالجهل في ذلك كل من بلغته الحجة الرسالية.

    المرتبة الثالثة- من توقف فيمن ينتسب للإسلام ووقع في شـرك أو كفر مجمع على كفر من وقع فيه، وهؤلاء على مراتب:

    الأول من المرتبة الثالثة: من لم يكن له تأويل؛ فإنه إما أن يقتصـر على تبيين الحال له، وإما أن يقتصـر على تبيين حكم الشـرع فيهم، وإما أن تبين له حالهم ويبين له حكم الشـرع فيهم، وهذا بناء على ظهور الشـرك وظهور حال المتوقف فيهم؛ فإن توقف بعد ذلك فهو كافر، وأما إن كان حالهم ظاهرا، وحكم الشـرع فيهم ظاهرا؛ فيحكم بكفر المتوقف من غير تبيين.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في طائفة من الباطنية: “ومن كان محسنا للظن بهم، وادعى أنه لم يعرف حالهم: عرف حالهم؛ فإن لم يباينهم ويظهر لهم الإنكار وإلا ألحق بهم وجعل منهم”.(10) انتهى كلامه.

    * فـانظر هنا كيف اقتصـر شيخ الإسلام في تكفير المتوقف في هذه الطائفة على تعريفه بحالهم.

    وقال الشيخ سليمان بن عبد الله رحمهما الله في بعض مرتدي زمانه: “فإن كان شاكا في كفرهم أو جاهلا بكفرهم، بينت له الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على كفرهم، فإن شك بعد ذلك أو تردد، فإنه كافر بإجماع العلماء على: أن من شك في كفر الكافر فهو كافر”.(11) انتهى كلامه رحمه الله.

    * نلاحظ هنا أن الشيخ سليمان اشترط تبيين الحكم الشـرعي للمتوقف قبل تكفيره.

    وقال الإمام أبو حاتم الرازي رحمه الله فيمن قال بخلق القرآن: “ومن شك في كفره ممن يفهم ولا يجهل فهو كافر، ومن كان جاهلا علم؛ فإن أذعن بالحق بتكفيره وإلا ألزم الكفر”. (12) انتهى كلامه رحمه الله.

    * في هذه الصورة اشترط أبو حاتم تعليم المتوقف قبل تكفيره.

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الحلولية: “ومن شك في كفر هؤلاء بعد معرفة قولهم ومعرفة دين الإسلام فهو كافر؛ كمن يشك في كفر اليهود والنصارى والمشـركين”.(13) انتهى كلامه.

    * أما في هذه الصورة فقد اشترط تعريف الحال والحكم الشـرعي معا.

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في “طائفة الدروز”: “كفر هؤلاء مما لا يختلف فيه المسلمون؛ بل من شك في كفرهم فهو كافر مثلهم”. (14) انتهى كلامه.

    * ونلاحظ في هذه الصورة أنه لم يشترط في تكفير المتوقف تبيين الحال، ولا تبيين الحكم؛ وذلك لظهور حال تلك الطائفة، وظهور الأدلة على كفرهم.

    والقسم الثاني من المرتبة الثالثة: من كانت له أصول فاسدة فتأول؛ فيؤثر في الحكم عليه شدة ظهور كفر المعين أو الطائفة، ففي حال شدة ظهور الكفر يعتبر كافرا معاندا متسترا بتأويله، وفي حالات أخرى اختلف بين تفسيقه وتكفيره.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في طائفة من الباطنية: “وأما من قال: (لكلامهم تأويل يوافق الشـريعة)؛ فإنه من رءوسهم وأئمتهم؛ فإنه إن كان ذكيا فإنه يعرف كذب نفسه فيما قاله، وإن كان معتقدا لهذا باطنا وظاهرا فهو أكفر من النصارى؛ فمن لم يكفر هؤلاء، وجعل لكلامهم تأويلا، كان عن تكفير النصارى بالتثليث والاتحاد أبعد”.(15)

    وقال أيضا رحمه الله: “وعنه -أي الإمام أحمد- في تكفير من لا يكفر روايتان؛ -يعني في تكفير من لم يكفر الجهمية- أصحهما لا يكفر”.(16) انتهى كلامه.

    وقال الإمام البخاري رحمه الله: “نظرت في كلام اليهود، والنصارى، والمجوس، فما رأيت قوما أضل في كفرهم منهم -يعني الجهمية-، وإني لأستجهل من لا يكفرهم، إلا من لا يعرف كفرهم”.(17) انتهى كلامه رحمه الله.

    والظاهر من قول الإمام البخاري أنه يذهب إلى عدم تكفير المتوقف في الجهمية؛ كإحدى الروايتين عن أحمد.

    وقال المرداوي رحمه الله: “وذكر ابن حامد في أصوله كفر الخوارج والرافضة والقدرية والمرجئة، وقال: “من لم يكفر من كفرناه فسق وهجر، وفي كفره وجهان”، والذي ذكره هو وغيره من رواة المروذي، وأبي طالب، ويعقوب، وغيرهم: أنه لا يكفر -إلى أن قال:- وقال في إنكار المعتزلة استخراج قلبه صلى الله عليه وسلم ليلة الإسـراء وإعادته: في كفرهم به وجهان، بناء على أصله في القدرية الذين ينكرون علم الله وأنه صفة له، وعلى من قال: لا أكفر من لا يكفر الجهمية”.(18) انتهى كلامه رحمه الله.

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “وأما السلف والأئمة فلم يتنازعوا في عدم تكفير المرجئة والشيعة المفضلة -يعني الذين يفضلون عليا على سائر الصحابة بلا طعن فيهم- ونحو ذلك، ولم تختلف نصوص أحمد في أنه لا يكفر هؤلاء، وإن كان من أصحابه من حكى في تكفير جميع أهل البدع -من هؤلاء وغيرهم- خلافا عنه أو في مذهبه، حتى أطلق بعضهم تخليد هؤلاء وغيرهم، وهذا غلط على مذهبه وعلى الشـريعة”. (19) انتهى كلامه رحمه الله.

    والقسم الثالث من المرتبة الثالثة: من كانت له أصول صحيحة فتأول؛ كما جاء في خطأ بعض الصحابة رضي الله عنهم في تكفير بعض المرتدين؛ حيث بين الله تعالى خطأ من توقف، ولم يحكم عليهم بكفر.

    فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “كان قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشـركون معهم يوم بدر، فأصيب بعضهم وقتل بعض، فقال المسلمون: “كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا فـــاستغفروا لهم”، فنزلت: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 97]، قال: فكتب إلي من بقي من المسلمين بهذه الآية، وأنه لا عذر لهم، قال: فخرجوا فلحقهم المشـركون فأعطوهم الفتنة، فنزلت فيهم هذه الآية: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ} [العنكبوت: 10] الآية”.(20)

    وقال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله: “فأنزل الله هذه الآية، وبين فيها حكم هؤلاء المشـركين، وأنهم من أهل النار، مع تكلمهم بالإسلام”.(21) انتهى كلامه.

    وروي أن الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في تكفير بعض المرتدين، فلما بين الله تعالى كفر هؤلاء القوم لم يأمر من توقف فيهم بتجديد إسلامه.

    فقد قال الله تعالى:{فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} [النساء: 88].

    وصح في سبب نزولها أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد، فرجع ناس ممن كان معه، فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين، قال بعضهم: “نقتلهم”، وقال بعضهم: “لا”.(22)

    وصح عن مجاهد رحمه الله، أنه قال: “قوم خرجوا من مكة حتى أتوا المدينة يزعمون أنهم مهاجرون، ثم ارتدوا بعد ذلك، فـاستأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها، فـاختلف فيهم المؤمنون، فقائل يقول: “هم منافقون”، وقائل يقول: “هم مؤمنون”، فبين الله نفاقهم، فأمر بقتالهم”.(23)

    وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “فكانوا كذلك فئتين والرسول عندهم لا ينهى واحدا من الفريقين عن شـيء، فنزلت: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} [النساء: 88] الآية”. (24)

    وقال الإمام الطبري رحمه الله في تأويل قوله تعالى-: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا} [النساء: 88] قال: “يعني بذلك: والله ردهم إلى أحكام أهل الشـرك في إباحة دمائهم، وسبي ذراريهم”.(25) انتهى كلامه رحمه الله.

    وقد رجح الإمام الطبري أن هذه الآية نزلت في قوم ارتدوا عن الإسلام، حيث قال بعدما ذكر أقوال السلف في سبب نزولها: “وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك: قول من قال: نزلت هذه الآية في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوم كانوا ارتدوا عن الإسلام بعد إسلامهم من أهل مكة”.(26) انتهى كلامه رحمه الله.

    وقال ابن أبي زَمَنِين رحمه الله -وهو من أئمة أهل السنة-: “هم قوم من المنافقين كانوا بالمدينة؛ فخرجوا منها إلى مكة، ثم خرجوا من مكة إلى اليمامة تجارا فـرتدوا عن الإسلام، وأظهروا ما في قلوبهم من الشـرك، فلقيهم المسلمون، فكانوا فيهم فئتين؛ أي فرقتين، فقال بعضهم: قد حلت دماؤهم؛ هم مشـركون مرتدون، وقال بعضهم: لم تحل دماؤهم؛ هم قوم عرضت لهم فتنة، فقال الله -تعالى-: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} [النساء: 88]”.(27) انتهى كلامه رحمه الله.

    ورجح طائفة من العلماء أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه توقف في تكفير مانعي الزكاة في بادئ أمرهم، ولما بين له أبو بكر رضي الله عنه كفرهم وافقه، ولم يستتبه على توقفه فيهم؛ فقد صح عن عمر رضي الله عنه، أنه قال لأبي بكر رضي الله عنه في شأن “المرتدين”: كيف تقاتل الناس؟ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله ».(28)

    * والحكم في هذه الحال: أن المتوقف لا يكفر ابتداء، بل يحكم عليه بالخطأ، وهذا الحكم مبني على أن التكفير من الأحكام الشـرعية، وأن حكم المجتهد المخطئ فيه كحكم غيره ممن أخطأ في المسائل الشـرعية، فإذا بينت له الأدلة وانقطع تأويله ثم توقف بعد ذلك فهو كافر.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “فإن الإيمان بوجوب الواجبات الظاهرة المتواترة وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة: هو من أعظم أصول الإيمان وقواعد الدين والجاحد لها كافر بالاتفاق مع أن المجتهد في بعضها ليس بكافر بالاتفاق مع خطئه”.(29) انتهى كلامه رحمه الله.

    وقال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله: “ثم لو قدر أن أحدا من العلماء توقف عن القول بكفر أحد من هؤلاء الجهال المقلدين للجهمية، أو الجهال المقلدين لعباد القبور، أمكن أن نعتذر عنه بأنه مخطئ معذور، ولا نقول بكفره لعدم عصمته من الخطأ، والإجماع في ذلك قطعي”.(30) انتهى كلامه.

    المرتبة الرابعة- من توقف فيمن وقع في كفر أو شـرك، وكان سبب توقفه غرضا شـرعيا مباحا، فمن ذلك:

    1- من توقف فيمن وقع في نوع شـرك أو كفر مختلف في أنه مخرج من الملة؛ كترك الصلاة.

    2- ومن ذلك من توقف فيمن انتسب للعلم الشـرعي بغرض الدفع عن تكفير علماء المسلمين.

    وحكم المتوقف في هاتين الصورتين أنه مجتهد مأجور بإذن الله؛ إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: دفع التكفير عن علماء المسلمين وإن أخطئوا هو من أحق الأغراض الشـرعية؛ حتى لو فرض أن دفع التكفير عن القائل يعتقد أنه ليس بكافر حماية له، ونصـرا لأخيه المسلم: لكان هذا غرضا شـرعيا حسنا، وهو إذا اجتهد في ذلك فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فيه فأخطأ فله أجر واحد”. (31) انتهى كلامه.

    * وههنا سؤال مهم، وهو: أين مرتبة المتوقف في عباد القبور من هذه المراتب؟

    • والجواب أن مرتبة المتوقف في القبورية تختلف بحسب ظهور الشـرك أو الاعتقاد في صاحب القبر، ولا شك أن منها ما يماثل عبادة الأصنام أو يزيد عليها، ومنها ما هو دون ذلك، ومنها ما يقتصـر على الابتداع في الدين ولا يبلغ الشـرك.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “والمراتب في هذا الباب ثلاث:

    إحداها: أن يدعو غير الله وهو ميت أو غائب، سواء كان من الأنبياء والصالحين أو غيرهم فيقول: يا سيدي فلان أغثني، أو أنا أستجير بك، أو أستغيث بك، أو انصـرني على عدوي، ونحو ذلك فهذا هو الشـرك بالله…

    * وأعظم من ذلك أن يقول: اغفر لي وتب علي؛ كما يفعله طائفة من الجهال المشـركين..

    * وأعظم من ذلك: أن يسجد لقبره ويصلي إليه، ويرى الصلاة أفضل من استقبال القبلة، حتى يقول بعضهم: هذه قبلة الخواص، والكعبة قبلة العوام..

    * وأعظم من ذلك: أن يرى السفر إليه من جنس الحج، حتى يقول: (إن السفر إليه مرات يعدل حجة)، وغلاتهم يقولون: (الزيارة إليه مرة أفضل من حج البيت مرات متعددة)، ونحو ذلك؛ فهذا شـرك بهم، وإن كان يقع كثير من الناس في بعضه..

    الثانية: أن يقال للميت أو الغائب من الأنبياء والصالحين: ادع الله لي، أو ادع لنا ربك، أو اسأل الله لنا؛ كما تقول النصارى لمريم وغيرها؛ فهذا أيضا لا يستريب عالم أنه غير جائز، وأنه من البدع التي لم يفعلها أحد من سلف الأمة…

    فعلم أنه لا يجوز أن يسأل الميت شيئا: لا يطلب منه أن يدعو الله له ولا غير ذلك، ولا يجوز أن يشكى إليه شـيء من مصائب الدنيا والدين؛ ولو جاز أن يشكى إليه ذلك في حياته؛ فإن ذلك في حياته لا يفضـي إلى الشـرك، وهذا يفضـي إلى الشـرك..

    الثالثة: أن يقال: أسألك بفلان أو بجاه فلان عندك ونحو ذلك الذي تقدم عن أبي حنيفة وأبي يوسف وغيرهما أنه منهي عنه”.(32) انتهى كلامه رحمه الله.

    ونكتفي بهذا القدر، ونسأل الله تعالى التوفيق والعون والسداد، وصلى الله على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    الحلقتان الخامسة والسادسة

    سلسلة علمية

    في بيان مسائل منهجية (5-6)

    الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إمام الأولين والآخِرين، أما بعد؛

    فسنتكلم في هذه الحلقة بإذن الله تعالى عن المسائل التي حصل فيها النزاع حول حكم الطائفة الممتنعة عن شرائع الإسلام.

    وقبل الدخول في موضوع الطائفة الممتنعة نود أن نبدأ بتقرير مقدمة يسيرة، فنقول:

    إن أهل السنة والجماعة قد اتفقوا على أن الإيمان قول وعمل، ونقل غير واحد من أهل العلم إجماعهم على ذلك، وتفصيل ذلك القول هو بما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- فقال: “ومن أصول أهل السنة أن الدين والإيمان قولٌ وعمل؛ قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان والجوارح”، انتهى كلامه.

    وتوضيح ذلك أن الله تعالى إذا أمر بأمر كالصلاة والزكاة وغيرها، وركن الإيمان بأمر الله تعالى هو الانقياد له وذلك من عمل القلب، فمن لم يقم في قلبه انقياد لأمر الله تعالى فهو كافر، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: “ومعلوم أن الإيمان هو الإقرار لا مجرد التصديق، والإقرار ضمن قول القلب الذي هو التصديق وعملِ القلب الذي هو الانقياد”، إلى أن قال: “فمن لم يحصل في قلبه التَّصديق والانقياد فهو كافر”، انتهى كلامه رحمه الله.

    ولا بدَّ أيضًا من التنبيه على أمر مهم؛ وهو أن انقياد القلب لأمر الله لا بدّ وأن يظهر أثرُه على الجوارح، فمن امتنع عن العمل دل امتناعُه على عدم إيمانه وانقياده أو ضعف إيمانه وانقياده، فالممتنع عن العمل إما أن يكون كافرًا وإما أن يكون فاسقًا، وهذا يختلف باختلاف صورة الامتناع عن العمل.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: “فأصل الإيمان في القلب؛ وهو قول القلب وعملُه، وهو إقرارٌ بالتصديق والحب والانقياد، وما كان في القلب فلا بدَّ أن يظهر موجبُه ومقتضاه على الجوارح، وإذا لم يعمل بموجبه ومقتضاه دل على عدمه أو ضعفه”، انتهى كلامه.

    والمقصود من ذلك أن الإنسان إذا امتنع عن عمل من أعمال الإسلام إباءً واستكبارًا فإنه يعد كافرًا لعدم انقياده، وكفر هذا كـكفر إبليس الذي امتنع عن السجود لآدم عليه السلام مع إقراره بالوجوب.

    نعود إلى مسألة الطائفة الممتنعة فنقول: ما هي الطائفة الممتنعة؟

    الجواب: هي جماعة تنتسب إلى الإسلام ثم تمتنع بالقوة والقتال عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، ولو أقرت بوجوبها.

    مثالها: لو امتنعت طائفة عن التزام أداء الزكاة أو عن التزام الصيام أو غير ذلك من شرائع الإسلام، ولو أقرُّوا بوجوبها، أو لم يلتزموا ترك المحرمات الظَّاهرة كالربا والخمر والزنا، ولو أقروا بتحريمها، ولم نقدر على إلزامهم إلا بالقتال، أو يكونون ذوي قوة يمتنعون بها عن التزام الشرائع الظاهرة ولو لم يباشروا القتال فعليًا.

    ثم نقول: ما حكم الطائفة الممتنعة؟

    الجواب: حكم الطائفة الممتنعة على الصحيح من قولي العلماء هو الردة، والخروج عن الإسلام، وذلك بناءً على ما سبق ذكره في المقدمة عن مسمى الإيمان، وأنه قول وعمل، وأنه لا بدّ من الانقياد لأوامر الله تعالى.

    والدليل على ذلك: إجماع الصحابة -رضي الله عنهم- المستند إلى الدليل فقد سموا مانعي الزكاة بالمرتدين.

    يقول أبو عبيدٍ القاسم ابن سلّام: “والمصدق لهذا جهادُ أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- بالمهاجرين والأنصار على منع العرب الزكاة، كجهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الشرك سواءا، لا فرق بينهما في سفك الدماء، وسبي الذرية، واغتنام المال، فإنما كانوا مانعين لها غير جاحدين بها”، انتهى كلامه.

    ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “وقد اتفق الصحابة والأئمة بعدهم على قتال مانعي الزكاة وإن كانوا يُصلون الخمس، ويصومون شهر رمضان، وهؤلاء لم يكن لهم شبهة سائغة، فلهذا كانوا مرتدين، وهم يقاتَلون على منعها، وإن أقرّوا بالوجوب كما أمر الله”، انتهى كلامه.

    ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب بعد نقله لكلام شيخ الإسلام: “فتأمل كلامه وتصريحه بأن الطائفة الممتنعة عن أداء الزكاة إلى الإمام أنهم يقاتلون، ويحكم عليهم بالكفر، والردة عن الإسلام، وتسبى ذراريُّهم، وتغنم أموالهم، وإن أقروا بوجوب الزكاة، وصلوا الصلوات الخمس، وفعلوا جميع شرائع الإسلام غير أداء الزكاة، وأن ذلك ليس بمسقط للقتال لهم، والحكم عليهم بالكفر، والردة، وأن ذلك قد ثبت بالكتاب والسنة، واتفاق الصحابة رضي الله عنهم، والله أعلم”، انتهى كلامه رحمه الله.

    حكم قتال الطائفة الممتنعة.

    لقد دل الكتاب، والسنة، والإجماع على وجوب قتال الطائفة الممتنعة.

    قال الله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّـهِ} [الأنفال : 39 ].

    فإذا كان بعض الدين لله، وبعضه الآخر لغير الله: وجب القتال حتى يكون الدين كلُّه لله.

    وفي الصحيحين عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أُمِرتُ أن أُقاتِلَ الناسَ حتى يشهدوا أن لا إلهَ إلا اللهُ وأن محمدًا رسولُ اللهِ، ويقيموا الصلاةَ، ويؤتوا الزكاةَ، فإذا فعلوا ذلك عَصَموا مني دماءَهم وأموالَهم إلا بحقِّ الإسلامِ، وحسابُهم على اللهِ).

    وقال أبو بكر رضي الله عنه: “الزكاة حق المال، والله لو منعوني عَناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها”.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: “وأجمع العلماء على أن كل طائفة ممتنعة عن شريعة متواترة من شرائع الإسلام، فإنه يجب قتالها حتى يكون الدين كله لله، كالمحاربين وأَولى”.

    وقال أيضًا رحمه الله: “فعُلم أن مجرد الاعتصام بالإسلام مع عدم التزام شرائعه ليس بمسقط للقتال، فالقتال واجب حتى يكون الدين كله لله، وحتى لا تكون فتنة، فمتى كان الدين لغير الله فالقتال واجب، فأيُّما طائفة امتنعت من بعض الصلوات المفروضات أو الصيام أو الحج أو عن التزام تحريم الدماء، والأموال، والخمر، والزنا، والميسر أو عن نكاح ذوات المحارم أو عن التزام جهاد الكفار أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، وغير ذلك من واجبات الدين، ومحرماته التي لا عذر لأحد في جحودها وتركها، التي يكفر الجاحد لوجوبها، فإن الطائفة الممتنعة تقاتَل عليها، وإن كانت مقرة بها، وهذا مالا أعلم فيه خلافا بين العلماء”، انتهى كلامه رحمه الله .

    فإذا كان هذا حكمَ الطائفة إذا امتنعت عن التزام شريعة واحدة من شرائع الإسلام فكيف إذا امتنعت عن أكثر من ذلك، بل كيف بمن يعلن عدم التزامه بشرع الله من خلال استبداله بقوانين ديمقراطية أو مبادئ وضعية؟!

    إذا تقرر هذا فلا بدّ من التنبيه على مسائل:

    المسألة الأولى: الخلاف الذي وقع بين علماء الصحابة: أبي بكر وعمر حول تكفير الطائفة الممتنعة.

    إن الخلاف الذي وقع بين الصحابة في تكفير مانعي الزكاة في أول الأمر ثابت بنص الحديث الذي رواه الشيخان عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: “لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، واُستُخلف أبو بكر بعده، وكفر من كفر من العرب، قال عمر لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله، ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله)، فقال: والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عِقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه، فقال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق”.

    فكان استدلال عمر -رضي الله عنه- على تحريم القتال بأنهم يقولون لا إله إلا الله، دليل واضح على أنه لم يكن يرى كُفرهم.

    وممن نص على حدوث هذا الخلاف بين الصحابة الإمام ابن قدامة في كتابه الـمُغني، فقد قال بعد ذكره للروايتين في تكفير مانع الزكاة: “ووجه الأول أن عمر وغيره من الصحابة امتنعوا من القتال في بدء الأمر، ولو اعتقدوا كفرهم لما توقفوا عنه…” إلى آخر كلامه رحمه الله .

    المسألة الثانية: ذكر الخلاف الذي وقع بين العلماء في هذه المسألة.

    اختلف علماء أهل السنة في حكم كفر الطائفة الممتنعة بناءً على اختلاف الصحابة رضي الله عنهم، فذهب الشافعي -رحمه الله- إلى عدم كفر مانعي الزكاة، وذهب إلى أن نسبتهم إلى الردة نسبة لُغوية لا شرعية، فذهب إلى أن الصحابة إنما اختلفوا في القتال مع اتفاقهم على عدم التكفير، ووصفهم بأنهم ممتنعون عن أداء حق للإمام بتأويل.

    قال الإمام الشافعي -رحمه الله-: “وأهل الردة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ضربان؛ منهم قوم أغروا بعد الإسلام مثل طليحة ومسيلمة والعنسي وأصحابِهم، ومنهم قوم تمسكوا بالإسلام ومنعوا الصدقات، فإن قال قائل: ما دلَّ على ذلك والعامة تقول لهم: أهلَ الردة؟ قال الشافعي: فهذا لسان عربي؛ فالردة الارتداد عما كانوا عليه بالكفر، والارتداد بمنع الحق، قال: ومن رجع عن شيء جاز أن يقال ارتدّ عن كذا”، انتهى كلامه .

    وذهب الإمام أحمد إلى ذلك في رواية عنه، فنقل الأثرم عنه فيمن ترك صوم رمضان: “هو مثل تارك الصلاة؟ فقال: الصلاة آكد ليس هي كغيرها. فقيل له: تارك الزكاة؟ فقال: قد جاء عن عبد الله: ما تارك الزكاة بمسلم، وقد قاتل أبو بكر عليها والحديث في الصلاة”، انتهى كلامه .

    قال القاضي أبو يعلى: “فظاهر هذا أنه حكى قول عبد الله، وفعل أبي بكر، ولم يقطع به لأنه قال: الحديث في الصلاة، يعني الحديث الوارد بالكفر لينظر هو في الصلاة، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (بينَ العبدِ وبينَ الْكفرِ ترْكُ الصَّلاةِ فمَن ترَكَ الصَّلاةَ فقَد كفَرَ)، ولأن الزكاة حق في المال فلم يكفر بمنعه، والقتال عليه كالكفارات وحقوق الآدميين”، انتهى كلامه.

    ويقول شيخ الإسلام: “ثم تَنازع الفقهاءُ في كفر من منعها، وقاتل الإمام عليها مع إقراره بالوجوب على قولين، هما روايتان عن أحمد كالروايتين عنه في تكفير الخوارج”، انتهى كلامه.

    المسألة الثالثة : هل المخالف في كفر الطائفة الممتنعة بدعيٌ أم سني؟

    نقول: من كان يقول بعدم كفر الطائفة الممتنعة وبنى ذلك على قوله بأن الإيمان قول بلا عمل، فهو مرجئ، وأما من كان يقول: إن الإيمان قول وعمل ثم لم يكفر الطائفة الممتنعة، فإنه ليس بمبتدع، وإنما هو مُجتهد مخطئ، والإمام الشافعي من هذا الصنف، فهو ممن يقرر أن الإيمان قول وعمل كعامة أئمة السنة والجماعة.

    قال الإمام الشافعي -رحمه الله: “وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ممن أدركناهم، أن الإيمان قول وعمل ونية، لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر”، انتهى كلامه.

    وهذا الأمر يشبه الخلاف في كفر تارك الصلاة؛ فمن العلماء من ذهب إلى عدم كفر تارك الصلاة مع قولهم: إن الإيمان قول وعمل، فهذا سني وليس بمبتدع.

    وأما من قال بعدم تكفير تارك الصلاة أو أنه يقتل بعد أن يُدعى إليها حين يقتل مسلمًا فقد دخلت عليه الشبهة التي دخلت على المرجئة والجهمية في مسمى الإيمان، وبالتالي بنى قوله بعدم التكفير على ذلك.

    قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: “فهذا الموضع ينبغي تدبُّره؛ فمن عرف ارتباط الظاهر بالباطن زالت عنه الشبهة في هذا الباب، وعلِم أن من قال من الفقهاء أنه إذا أقرَّ بالوجوب وامتنع عن الفعل لا يُقتل، أو يقتَل مع إسلامه، فإنه دخلت عليه الشبهة التي دخلت على المُرجئة والجهمية، والتي دخلت على من جعل الإرادة الجازمة مع القدرة التامة لا يكون بها شيء من الفعل، ولهذا كان الممتنعون من قتل هذا من الفقهاء بنوه على قولهم في مسألة الإيمان، وأن الأعمال ليست من الإيمان”، انتهى كلامه رحمه الله.

    ونأخذ مثالاً على هذا:

    وهو ما كان من ابن شهاب الزهري -رحمه الله- فقد روى المروزي في تعظيم قدر الصلاة عن ابن شهاب الزهري أنه سُئل عن الرجل يترك الصلاة فقال: “إن كان إنما تركها أنه ابتدع دينًا غير دين الإسلام قُتل، وإن كان إنما هو فاسق ضرب ضربًا مبرحًا وسجن”.

    فهذا واضح في أن ابن شهاب لم يكن يرى كفر تارك الصلاة، فقد روى اللالكائي عن معقل ابن عبيد الله العبسي قال لنافع مولى ابن عمر: قلت إنهم يقولون نحن نُقر بالصلاة فريضة ولا نصلي، وإن الخمر حرام ونحن نشربها، وإن نكاح الأمهات حرام ونحن نريده، فنتر يده من يدي وقال: من فعل هذا فهو كافر.

    قال معقل: فلقيت الزهري فأخبرته بقولهم فقال: سبحان الله؛ أوقد أخذ الناس في هذه الخصومات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَشْرَبُ الشَّارِبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ).

    فانظر إلى قوله بعدم تكفير تارك الصلاة مع إنكاره على المرجئة الذين يخرجون العمل من مسمى الإيمان، فهذا الذي يجعلنا لا نتهم أمثال الإمام الزهري بالإرجاء لمجرد أنه لا يرى كفر تارك الصلاة، فتأمل هذا الموطن جيدًا، ولا تغتر بكثرة المشغِّبين، ولا بأقوال المُغالين، والله المستعان.

    وختامًا ينبغي التنبيه ها هنا على أمر هام

    وهو أن أغلب من نقاتلهم اليوم من طوائف الكفر والردة لا يجري فيهم الخلاف الذي وقع بين أهل العلم في الطوائف الممتنعة؛ فجيوش الدول الطاغوتية وشرطهم وأعوانهم كفار باتفاق، وهم أقرب إلى كونهم كأتباع مسيلمة والأسود من كونهم كمانعي الزكاة؛ فجند الطاغوت وكل من قاتل في سبيله كافر بنص القرآن، كما قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} [النساء : 76].

    ومن والى الطاغوت على الحكم بغير ما أنزل الله ومحاربة أولياء الله فهو كافر مثلُه؛ لأن من والى الكفار كان منهم لقوله تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [ المائدة : 51 ].

    وقد مر معنا أن البراءة من المشركين وموالاة الموحدين من أصل الدين الذي لا يعذر فيه أحد بالجهل ولا بالتأويل، وهذا محل اتفاق في الجملة بحمد الله تعالى.

    ونكتفي بهذا القدر، ونسأل الله تعالى أن ينفعنا بما علمنا، وأن يجمع على الحق كلمتنا، وأن يجعلنا هداة مهتدين، وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين.

    الْحَلَقَةُ السادسة

    الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمام الأولين والآخرين، أما بعد:

    فهذه الحلقة سنتناول الحديث فيها بإذن الله تعالى عن مبحثين:

    المبحث الأول: عن الديار وأحكامها.

    والمبحث الثاني: عن الهجرة وأحكامها.

    وسنتناول في مبحث الديار مسائل:

    الأولى: معنى الدار، وانقسام العالم إلى دارين.

    والثانيةُ: تعريف دار الإسلام، ودار الكفر.

    والمسألةُ الثالثة: علة الحكم على الدار بالإسلام أو الكفر.

    والرابعةُ: أقسام دار الكفر.

    وسنتناول في مبحث الهجرة مسائل:

    الأولى: حكم الهجرة.

    والثانيةُ: حكم تركِ الهجرة.

    والثالثةُ: أحوال المقيمينَ في دار الكفر.

    ونشرعُ الآن في المبحث الأول المتعلقِ بأحكامِ الديار:

    المسألةُ الأولى من المبحث الأول:

    معنى الدار، وانقسام العالم إلى دارين؛ ومعنى الدار اصطلاحًا:

    اصطلح العلماءُ من السلف والخلف على تقسيم العالم إلى دارين؛ دارِ إسلامٍ ودارِ كفرٍ، وهذا التقسيم تقسيم أصيل مبنيٌّ على كتاب اللهِ، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فمن كتاب الله قوله تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ} [الحشر : 9].

    قال الإمام ابنُ كثيرٍ رحمه الله: “أي سكنوا دار الهجرة من قبل المهاجرين وآمنوا قبل كثير منهم”، انتهى كلامه.

    وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّـهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء : 97].

    والهجرة إذا أُطْلِقت في الكتاب والسنة، فهي تعني الانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام.

    أما من السنة فقد جاء تقسيم الديار في عدةِ أحاديث: فمن ذلك ما جاء في الحديث الذي رواه مسلمٌ عن بُريدةَ بن الحصيب -رضي الله عنه- مرفوعًا: (ثُمَّ ادعُهم إلى الإسلامِ، فإن أجابوكَ فاقبَل منْهم وكُفَّ عنهُم، ثمَّ ادعُهم إلى التَّحوُّلِ مِن دارِهم إلى دارِ الـمُهاجرينَ، وأخبرهم أنَّهم إن فعلوا ذلِكَ فَلَهم ما للمُهاجرينَ، وعَلَيهِم مَا علَى الـمُهاجرينَ).

    وأخرج النسائي -رحمه الله- بإسناد صحيح، عن جابر بن زيد -رضي الله عنه- قال: قال ابن عباس -رضي الله عنهما- إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكرٍ وعمرَ كانوا من المهاجرين، لأنهم هجروا المشركين، وكان من الأنصار مهاجرون، لأن المدينة كانت دارَ شركٍ، فجاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة.

    المسألة الثانية من مبحث الديار: تعريف دارِ الإسلامِ ودارِ الكفر.

    دارُ الإسلامِ: هي كل بلدةٍ أو بقعةِ تعلوها أحكام الإسلام، والغلبةُ والقوةُ والكلمةُ فيها للمسلمين، وإن كان أكثرُ سُكانِ هذه الدار من الكافرين.

    أما دارُ الكفر: فهي كل بلدٍ أو بقعةٍ تعلوها أحكامُ الكفر، والغلبةُ والقوةُ والكلمةُ فيها للكافرين، وإن كانَ أكثرُ سُكانِ هذه الدار من المسلمين.

    قال الإمام ابن القيّمِ رحمه الله: “دارُ الإسلام هي التي نزلها المسلمون، وجرتْ عليها أحكامُ الإسلام، وما لم تجرِ عليه أحكام الإسلام لم يكن دار إسلام، وإن لاصقها، فهذه الطائفُ قريبةٌ إلى مكةَ جدًا، ولم تَصرْ دار إسلام بفتح مكة، وكذلك الساحل”، انتهى كلامه.

    وقال ابن مفلح رحمه الله: “فصلٌ في تحقيق دارِ الإسلامِ ودارِ الحرب؛ فكل دارِ غلب عليها أحكامُ المسلمين فدارُ الإسلام، وإن غلبَ عليها أحكام الكفار فدارُ الكفر، ولا دارَ لغيرهما”، انتهى كلامه.

    المسألة الثالثة:

    علة الحكم على الدار بالإسلام أو الكفر.

    باستقراء كلام العلماء يتبين أنهم يذكرون سببين للحكم على الدار:

    الأول: القوةُ والغلبة.

    الثاني: نوع الأحكام المطبقةِ فيها.

    قال ابن حزمٍ رحمه الله: “وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسلِمٍ أَقَامَ بَينَ أَظهُرِ المُشرِكِينَ)، يبين ما قلناه، وأنه عليه السلام إنما عنى بذلك دار الحرب، وإلا فقد استعمل عليه السلام عُمّاله على خيبر، وهم كلهم يهود، وإذا كان أهل الذمة في مدائنهم لا يمازجهم غيرهم، فلا يسمى الساكن فيهم لإمارة عليهم، أو لتجارة بينهم كافرًا، ولا مسيئًا، بل هم مسلم حسنٌ، ودارهم دار إسلام لا دار شرك، لأن الدارَ إنما تنسب للغالب عليها، والحاكم فيها، والمالك لها”، انتهى كلامه.

    وعن أبي يوسف، ومحمد بن الحسن -رحمهما الله تعالى-: “إذا أظهروا أحكام الشرك فيها، فقد صارت دارهم دار حرب، لأن البقعة إنما تنسب إلينا أو إليهم باعتبار القوة والغلبة، فكل موضع ظهر فيه حكم الشرك، فالقوة في ذلك الموضع للمشركين، فكانت دار حرب، وكل موضع كان الظاهر فيه حكم الإسلام، فالقوة فيه للمسلمين”، انتهى كلامهما.

    وقال الشوكاني رحمه الله: “الاعتبار في الدار بظهور الكلمة، فإن كانت الأوامر والنواهي في الدار لأهل الإسلام، بحيث لا يستطيع من فيها من الكفار أن يتظاهر بكفره، إلا لكونه مأذونًا له بذلك من أهل الاسلام، فهذه دار إسلام، ولا يضرّ ظهور الخصال الكفرية فيها، لأنّها لم تظهر بقوة الكفار ولا بصولتهم، كما هو مشاهد في أهل الذمة من اليهود والنصارى، والمعاهِدين الساكنين في المدائن الإسلامية، وإذا كان الأمر بالعكس فالدار بالعكس”، انتهى كلامه.

    المسألة الرابعة: أقسام دار الكفر.

    تنقسم ديار الكفر من جهة كون الكفر فيها قديمًا أو طارئًا إلى قسمين:

    القسم الأول؛ دار الكفر الأصلي: وهي التي لم تكن دار إسلام في وقت من الأوقات.

    والثاني؛ دار الكفر الطارئ: وهي التي كانت دار إسلام في وقت من الأوقات، ثم استولى عليها الكفار، أو ارتد الحاكمون لها، أو ارتد أهلها وجرت فيهم أحكام الكفر.

    فصفة الدار ليست من الصفات اللازمة المؤبدة، بل هي من الصفات العارضة المتغيرة، بمعنى: أن الدار قد تتغير من صفة إلى أخرى، فقد تكون الدار دار كفر في وقت ما، ثم تصير دار إسلام، وقد تكون دار إسلام ثم تصبح دار كفر.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “فإن كون الأرض دار كفر، أو دار إسلام أو إيمان، أو دار سلم أو حرب، أو دار طاعة أو معصية، أو دار المؤمنين أو الفاسقين، أوصاف عارضة لا لازمة، فقد تنتقل من وصف إلى وصف، كما ينتقل الرجل بنفسه من الكفر إلى الإيمان والعلم، وكذلك بالعكس”، انتهى كلامه رحمه الله.

    وهنا تنبيه مهم

    أنه لا يلزم من الحكم على الدار بأنها دار كفر، أصليةٍ كانت أو طارئة، الحكم على من كان فيها من المسلمين بأنه كافر، بل هذه مقالة الغلاة، ومسلك من مسالك الخوارج.

    فقد ذكر الأشعري -رحمه الله- هذا القول عن إحدى فرق الخوارج، فقال: “زعمت الأزارقة أن من أقام في دار الكفر فهو كافر، لا يسعه إلا الخروج”، انتهى كلامه.

    وذكر عن الخوارج “البيهسية والعوفية” أنهم قالوا: “إذا كفر الإمام فقد كفرت الرعية، الغائب منهم والشاهد”، انتهى كلامه.

    وذلك لأن الأصل هو بقاء المسلم على إسلامه فوق كل أرض، وتحت كل سماء، ما لم يرتكب ناقضًا من نواقض الإسلام، وما ثبت بيقين لا يزول بالشك.

    قال الإمام الشوكاني رحمه الله: “اعلم أن التعرض لذكر دار الإسلام ودار الكفر، قليل الفائدة جدًا -أي في الحكم على قاطنيها- لما قدمنا لك في الكلام على دار الحرب، وأن الكافر الحربي مباح الدم والمال على كل حال، ما لم يؤمَّن من المسلمين، وأن مال المسلم ودمه معصومان بعصمة الإسلام، في دار الحرب وغيرها”، انتهى كلامه.

    والتحقيق أن يقال:

    إن حكم السكان في دار الكفر الطارئ، أو القول بأن الأصل فيهم الإسلام أو الكفر، أو حكمَ مجهول الحال منهم، يختلف باختلاف الأحوال، وكلها أحكامٌ فقهية مردها إلى فتوى العلماء، ولذلك اختلفت أقوالهم باختلاف أحوال الساكنين في تلك الديار.

    وإليك بعضَ الأمثلة على ذلك:

    المثال الأول: فتوى شيخ الإسلام -رحمه الله- في أهل (مَاردِين).

    وهي دار إسلام كانت قد استولى عليها التتار، فعلتها أحكامُ الكفر.

    سُئل -رحمه الله- عن بلد (مَاردِين) هل هي بلد حرب أم بلد سلم، وهل يجب على المسلم المقيم بها الهجرة إلى بلاد الإسلام أم لا، وإذا وجبت عليه الهجرة ولم يهاجر، وساعد أعداء المسلمين بنفسه أو ماله، هل يأثم في ذلك؟ وهل يأثم من رماه بالنفاق، وسبَّه به أم لا؟

    فأجاب: الحمد لله؛ دماء المسلمين وأموالهم محرمة حيث كانوا في مَاردِين أو غيرها، وإعانة الخارجين عن شريعة دين الإسلام محرمة سواء كانوا أهل ماردين أو غيرهم، والمقيم بها إن كان عاجزًا عن إقامة دينه وجبت الهجرة عليه، وإلا استحبت ولم تجب.

    ومساعدتهم لعدو المسلمين بالأنفس والأموال مُحرّمة عليهم، ويجب عليهم الامتناع من ذلك بأي طريق أمكنهم، من تغيّب أو تعريض أو مصانعة، فإذا لم يمكن إلا بالهجرة تعينت.

    ولا يحل سبهم عمومًا ورميهم بالنفاق، بل السب والرمي بالنفاق يقع على الصفات المذكورة في الكتاب والسنة، فيدخل فيها بعض أهل مَارِدِين وغيرهم.

    وأما كونها دار حرب أو سلم فهي مركبة، فيها المعنيان؛ ليست بمنزلة دار السلم التي تجري عليها أحكام الإسلام لكون جندها مسلمين، ولا بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار، بل هي قسم ثالث: يُعامل المسلم فيها بما يستحقه، ويُقاتل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه”، انتهى كلامه رحمه الله.

    فانظر كيف حكم على السكان بأنه لا يحل سبهم عمومًا ورميهم بالنفاق، ولا أنهم كفار كأهل دار الحرب، مع أنه حكم على جندها بأنهم غير مسلمين، وكل ذلك في مَاردِين، وهي دار كفر طارئ.

    المثال الثاني: فتوى حمد بن عتيق -رحمه الله- في أهل الأحساء.

    قال: “ومن له مشاركة في ما قرره المحققون قد اطلع على أن البلد إذا ظهر فيها الشرك، وأُعلنت فيها المحرمات، وعُطّلت فيها معالم الدين: تكون بلاد كفر، يغنم أموال أهلها، وتستباح دماؤهم، وقد زاد أهل هذا البلد في إظهار المسبة له ولدينه، ووضعوا قوانين يُنفذِونها في الرعية مخالفة لكتاب الله وسنة نبيه، وقد علمت أن هذه كافية وحدها في إخراج من أتى بها من الإسلام، هذا ونحن نقول قد يوجد فيها من لا يحكم بكفره في الباطن من مستضعفٍ ونحوه، وأما في الظاهر فالأمر -ولله الحمد- واضح، ويكفيك ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في مكة مع أن فيهم مستضعفين، وكذلك ما فعله أصحابه بكثير ممن ارتد عن الإسلام، من استباحة الدم والمال والسبي، وكل عاقل وعالم يعلم أنما أتى به هؤلاء من الكفر والردة أقبح وأفحش وأكثر مما فعله أولئك، فارجع البصر في نصوص الكتاب والسنة وفي سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابِه تجدها بيضاء نقية لا يزيغ عنها إلا هالك، تحرَّى فيها ذكر العلماء، وارغب إلى الله في هداية القلب وإزالة الشبهة، وما كنت أظن أن هذا يصدر من مثلِك، ولا تغتر بما عليه الجهال، وما يقوله أهل الشبهات”، انتهى كلامه.

    فانظر كيف حكم على أهل البلد بالكفر ظاهرًا، وذلك لتحققّ أوصاف فيهم اقتضت هذا الحكم؛ من تفشٍّ للكفر فيهم، وتمالئهم عليه، وإعلانهم به وغير ذلك، ولم يعلق حكمه عليهم على مجرد أن دارهم دار كفر فتنبه.

    فالحاصل أنه ينبغي التفريق بين مسألة الحكم على الدار ومسألة الحكم على السكان؛ فيكون الحكم على الدار وفقًا لما علت الدار من أحكام، ويكون الحكم على السكان بالاطلاع على حال السكان، والله المستعان.

    انتهى المبحث الأول عن الديار بتوفيق الله.

    ونشرع الآن في مسائل المبحث الثاني: مبحث الهجرة.

    الهجرة شرعًا: هي الخروج في سبيل الله من دار الكفر إلى دار الإسلام.

    وقد تطلق الهجرة ويراد بها الخروج من دار معصية إلى دار طاعة، ومن دار بدعة إلى دار سنة.

    المسألة الأولى: حكم الهجرة.

    قال ابن القاسم -رحمه الله- في حاشيته على الأصول الثلاثة: “معلوم ثبوتها -أي الهجرة- بالكتاب والسنة والإجماع، مُتوعد من تركها، وقد حكى الإجماع على وجوبها من بلد الشرك إلى بلد الإسلام غيرُ واحد من أهل العلم”، انتهى كلامه.

    المسألة الثانية: حكم ترك الهجرة.

    لا يكفر المسلم بمجرد ترك الهجرة لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللَّـهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الأنفال : 72].

    فجمع بين وصفهم بالإيمان وترك الهجرة من أرض الحرب.

    يقول أبو بكر ابن العربي رحمه الله: “قوله تعالى: {وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ} يريد إن دعوا من أرض الحرب عونكم بنفير أو مال لاستنقاذهم فأعينوهم، فذلك عليكم فرض إلا على قوم بينكم وبينهم عهد، فلا تقاتلوهم عليهم، يريد حتى يتم العهد عليه أو ينبذ على سواء”، انتهى كلامه.

    وإنما تحرم على المسلم الإقامة في دار الكفر إذا لم يكن متمكنًا من إظهار دينه لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّـهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 97].

    قال ابن كثير رحمه الله: “الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكنًا من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه مرتكب حرامًا بالإجماع”، انتهى كلامه.

    وليس إظهار الدين هو مجرد التمكن من الصلوات وغيرها، وإنما المقصود من إظهار الدين إظهار العداوة للكفار والمشركين لقوله تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّـهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة : 4].

    وأما من ترك الهجرة وكانت عنده أصل العداوة -يعني العداوة موجودة- ولكن لم يبدها -أي لم يظهرها- فهو عاص وليس بكافر.

    سُئل الشيخ عبد اللطيف -رحمه الله- عمن كان في سلطان المشركين وعرف التوحيد وعمل به ولكن ما عاداهم ولا فارق أوطانهم، فأجاب: “هذا السؤال صدر عن عدم التعقل لصورة الأمر، والمعنى المقصود من التوحيد والعمل به، لأنه لا يتصور أنه يعرف التوحيد ويعمل به ولا يعادي المشركين، ومن لم يعادهم لا يقال له عرف التوحيد وعمل به، والسؤال متناقض، وحسن السؤال مفتاح العلم، وأظن مقصودك: من لم يظهر العداوة ولم يفارق، ومسألة إظهار العداوة غير مسألة وجود العداوة؛ فالأول: يعذر به مع العجز والخوف لقوله تعالى: {إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} [آل عمران : 28].

    والثاني: لا بدَّ منه، لأنه يدخل في الكفر بالطاغوت، وبينه وبين حب الله ورسوله تلازم كلي لا ينفك عنه المؤمن؛ فمن عصا الله بترك إظهار العداوة فهو عاص لله، فإذا كان أصل العداوة في قلبه فله حكم أمثاله من العصاة، فإذا انضاف إلى ذلك ترك الهجرة فله نصيب من قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ} [النساء : 97]، لكنه لا يكفر، لأن الآية فيها الوعيد لا التكفير، وأما الثاني الذي لا يُوجد في قلبه شيء من العداوة فيصدق عليه قول السائل لم يعادِ المشركين، فهذا هو الأمر العظيم والذنب الجسيم، وأي خير يبقى مع عدم عداوة المشركين؟! والخوف على النخل والمساكن ليس بعذر يوجب ترك الهجرة، قال تعالى: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} [العنكبوت : 56]”، انتهى كلامه رحمه الله.

    “وأما من ترك الهجرة من دار الكفر موالاة للكفار من أهلها أو إعانة لهم على المسلمين فهو كافر مثلهم”.

    قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [التوبة: 23].

    قال القرطبي رحمه الله: “ظاهر هذه الآية أنها خطاب لجميع المؤمنين كافة، وهي باقية الحكم إلى يوم القيامة في قطع الولاية بين المؤمنين والكافرين، وروت فرقة أن هذه الآية إنما نزلت في الحض على الهجرة ورفض بلاد الكفرة، فالمخاطبة على هذا إنما هي للمؤمنين الذين كانوا بمكة وغيرها من بلاد العرب، خوطبوا بأن لا يوالوا الآباء والإخوة فيكونوا لهم تبعًا في سكنى بلاد الكفر”، انتهى كلامه.

    وقال ابن حزم رحمه الله: “فصحّ بهذا أن من لحق بدار الكفر والحرب مختارًا محاربًا لمن يليه من المسلمين، فهو بهذا الفعل مرتد له أحكام المرتد كلها، من وجوب القتل عليه متى قُدر عليه، ومن إباحة ماله، وانفساخ نكاحه وغير ذلك، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبرأ من مسلم”، انتهى كلامه.

    وقال ابن تيمية -رحمه الله- معلقًا على أثر عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: “من بنى ببلادهم، وصنع نيروزهم ومهرجانهم، وتشبه بهم حتى يموت، حشر معهم”.

    قال: “وهذا يقتضي أنه جعله كافرًا بمشاركتهم في مجموع هذه الأمور أو جعل ذلك من الكبائر الموجبة للنار، وإن كان الأول ظاهر لفظه، فتكون المشاركة في بعض ذلك معصية”، انتهى كلامه.

    المسألة الثالثة: أحوال المقيمين في دار الكفر.

    يقول ابن حزم رحمه الله: “وأما من فرَّ إلى أرض الحرب لظلم خافه، ولم يحارب المسلمين ولا أعانهم عليهم، ولم يجد في المسلمين من يجيره: فهذا لا شيء عليه، لأنه مضطر مكره، وقد ذكرنا أن الزهري محمد بن مسلم بن شهاب كان عازمًا على أنه إن مات هشام بن عبد الملك لحق بأرض الروم، لأن الوليد بن يزيد كان نذر دمه إن قدر عليه، وهو كان الوالي بعد هشام، فمن كان هكذا فهو معذور، وكذلك من سكن بأرض الهند والسند والصين والترك والسودان والروم من المسلمين؛ فإن كان لا يقدر على الخروج من هنالك لثقل ظهر أو لقلة مال أو لضعف جسم أو لامتناع طريق فهو معذور.

    فإن كان هناك محاربًا للمسلمين معينًا للكفار بخدمة أو كتابة: فهو كافر.

    وإن كان إنما يقيم هنالك لدنيا يصيبها، وهو كالذمي لهم، وهو قادر على اللحاق بجمهرة المسلمين وأرضهم: فما يبعُد عن الكفر، وما نرى له عذرًا، ونسأل الله العافية.

    وليس كذلك من سكن في طاعة أهل الكفر من الغالية ومن جرى مجراهم؛ لأن أرض مصر والقيروان وغيرهما، فالإسلام هو الظاهر، وولاتهم على كل ذلك لا يجاهرون بالبراءة من الإسلام، بل إلى الإسلام ينتمون، وإن كانوا في حقيقة أمرهم كفارًا.

    وأما من سكن في أرض القرامطة مختارًا: فكافر بلا شك لأنهم معلنون بالكفر وترك الإسلام، ونعوذ بالله من ذلك.

    وأما من سكن في بلد تظهر فيه بعض الأهواء المخرجة إلى الكفر: فهو ليس بكافر لأن اسم الإسلام هو الظاهر هنالك على كل حال من التوحيد والإقرار برسالة محمد صلى الله عليه وسلم والبراءة من كل دين غير الإسلام، وإقامة الصلاة وصيام رمضان، وسائر الشرائع التي هي الإسلام والإيمان، والحمد لله رب العالمين”، انتهى كلامه رحمه الله.

    هذا وصلى الله على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    التحميل

    [su_button url="https://shineofislam.com/download/21276/" style="flat" background="#83a846" size="6" icon="icon: arrow-circle-o-down"]تحميل السلسلة كاملة بصيغة PDF[/su_button] [su_button url="https://shineofislam.com/download/21278/" style="flat" background="#83a846" size="6" icon="icon: arrow-circle-o-down"]تحميل الحلقة 1 بصيغة DOCX[/su_button] [su_button url="https://shineofislam.com/download/21280/" style="flat" background="#83a846" size="6" icon="icon: arrow-circle-o-down"]تحميل الحلقة 2 بصيغة DOCX[/su_button] [su_button url="https://shineofislam.com/download/21282/" style="flat" background="#83a846" size="6" icon="icon: arrow-circle-o-down"]تحميل الحلقتان 3 و 4 بصيغة DOCX[/su_button] [su_button url="https://shineofislam.com/download/21284/" style="flat" background="#83a846" size="6" icon="icon: arrow-circle-o-down"]تحميل الحلقتان 5 و 6 بصيغة DOCX[/su_button]

    [br]

    (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ)
    (سورة المنافقون الآية 8)

    مقالات ذات صلة

    تعليق واحد

    1. الـــتـــكـــفـــيـــر    عـــنـــد    غُـــثَـــاءِ    الـــبَـــوْل    جــــــريــــــمــــــة    لا    تُـــغْـــفَـــرُ    إلا    تـــكـــفـــيـــر    الـــمُـــوَحِّـــدِيـــن    (  الـــخـــوارج    الـــخـــارجـــون    عـــلـــى    هـــيـــئـــة    الأمـــم    الـــمـــلـــحـــدة    الـــمـــتـــحـــدة    عـــلـــى    مـــحـــاربـــة    الله    وَدِيـــنِـــهِ    ؛    الإرهـــابـــيـــون    اَلـــلَّـــذِيـــنَ    يُـــرْهِـــبُـــونَ    الـــكـــافـــرِيـــن    الـــمـــحـــاربِـــيـــن  )    فَـــحَـــسْـــبُـــنَـــا    الله    وَنِـــعْـــمَ    الـــوَكِـــيـــل    عـــلـــى    إنـــتـــكـــاس    الـــفِـــطَـــر

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

    زر الذهاب إلى الأعلى