المقالات

من أسباب الغيبة وكيفية التخلص منها

بسم الله الرحمن الرحيم


صحيفة النبأ العدد 264

من أسباب الغيبة وكيفية التخلص منها

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

تكلمنا في المقالين السابقين عن حرمة الغيبة وأشكالها، وما يُرخص فيها، ونكمل اليوم في الحديث عن بواعث الغيبة وأسبابها، وكيفية التخلص منها.

اعلم أخي المسلم، وفقني الله وإياك لطاعته؛ أن للغيبة أسباب وبواعث يجب أن نحذر منها ونتجنبها، حتى لا نقع في هذا المرض الخطير، والداء المستطير؛ ومن هذه الأسباب:


ضعف الورع وقلة الإيمان

وذلك أن الورع يمنع صاحبه من الغيبة ويعصمه من الخوض في أعراض الناس؛ ويدل على ذلك ما جاء في حديث قصة الإفك، وفيه أن عائشة رضي الله عنها قالت: “وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال لزينب: (ماذا علمت، أو رأيت)، فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلا خيرا، قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فعصمها الله بالورع…”[متفق عليه].

ومن أسبابها: مجاملة الجلساء

كما قال تعالى عن أصحاب النار أنهم يذكرون سبب دخولهم النار ومن ذلك أنهم قالوا: {وكنا نخوض مع الخائضين}، قال الإمام الطبري رحمه الله: “يقول: وكنا نخوض في الباطل وفيما يكرهه الله مع من يخوض فيه”، وقال القرطبي:”أي كنا نخالط أهل الباطل في باطلهم”[التفسير].

قال ابن تيمية رحمه الله: “فمن الناس من يغتاب موافقة لجلسائه وأصحابه وعشائره مع علمه أن المغتاب بريء مما يقولون أو فيه بعض ما يقولون؛ لكن يرى أنه لو أنكر عليهم قطع المجلس واستثقله أهل المجلس ونفروا عنه، فيرى موافقتهم من حسن المعاشرة وطيب المصاحبة وقد يغضبون فيغضب لغضبهم فيخوض معهم”[مجموع الفتاوى].

ومن أسباب الغيبة: الحسد

قال ابن تيمية رحمه الله: “ومنهم من يحمله الحسد على الغيبة فيجمع بين أمرين قبيحين: الغيبة والحسد” [المرجع السابق].

وقال ابن عبد البر رحمه الله: “قال فضيل بن عياض رحمه الله: “ما من أحد أحب الرئاسة إلا حسد وبغى وتتبع عيوب الناس وكره أن يذكر أحد بخير” [جامع بيان العلم وفضله].

ومن أسبابها: إرادة إضحاك الغير

قال ابن تيمية رحمه الله: “ومنهم من يخرج الغيبة في قالب تمسخر ولعب ليضحك غيره باستهزائه ومحاكاته واستصغار المستهزأ به” [مجموع الفتاوى].

ومن أسبابها أيضاً: سوء الظن بالمسلمين! وسنفرده في المقال القادم إن شاء الله.


كيف أتخلص من أسباب الغيبة؟

أخي المسلم، أيها المجاهد في سبيل الله، الساعي لتحكيم شرع الله، يا من نفرت وتركت المال والأهل والولد، أترضى لنفسك أن تذهب حسناتك بسبب الغيبة؟

فإن كان الجواب لا؛ فلابد أن تعرف كيفية التخلص من الغيبة وأسبابها وذلك بما يلي:

• أن تتذكر دائما مراقبة الله لك: فإنه طريق للتخلص من كل معصية بإذن الله، قال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ}، قال القرطبي رحمه الله: “هذا نهاية التحذير من الوقوع فيما نهى عنه”[التفسير].

وقال تعالى: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ}، قال ابن كثير رحمه الله: “أي: نحن نعلم ما هم عليه، والملائكة أيضا يكتبون أعمالهم، صغيرها وكبيرها” [التفسير]، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) [متفق عليه].

قال النووي رحمه الله: “فمقصود الكلام، الحث على الإخلاص في العبادة ومراقبة العبد ربه تبارك وتعالى في إتمام الخشوع والخضوع وغير ذلك”[شرح مسلم].

• أن تعلم أن في غيبتك نقص لحسناتك؛ ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (أتدرون ما المفلس؟)، قالوا: “المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع”، فقال: (إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار).

قال محمد بن أبي حاتم الوراق: سمعته -يعني البخاري- يقول: “ما اغتبت أحدا قط منذ علمت أن الغيبة تضر أهلها” [سير أعلام النبلاء].

• أن تعلم أن في غيبتك لأخيك ظلما له؛ قال ابن سيرين رحمه الله: “ظلم لأخيك أن تذكره بأقبح ما تعلم منه، وتنسى أحسنه” [الصمت لابن أبي الدنيا].

• أن تجلس في مجالس الصالحين وتترك مجالس المغتابين؛ فإن الصالحين ينهونك عن المحرمات بما فيها الغيبة؛ ففي الصحيحين عن أبي موسى رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثل الجليس الصالح والسوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك: إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحا خبيثة).

قال النووي رحمه الله: “وفيه فضيلة مجالسة الصالحين وأهل الخير والمروءة ومكارم الأخلاق والورع والعلم والأدب، والنهي عن مجالسة أهل الشر وأهل البدع ومن يغتاب الناس أو يكثر فجره وبطالته ونحو ذلك من الأنواع المذمومة” [شرح مسلم].

• أن تنشغل بعيوبك وإصلاحها؛ قال ابن القيم رحمه الله وهو يذكر حِكَم الله في ترك العبد يقع في الذنوب: “أنه يوجب له الإمساك عن عيوب الناس والفكر فيها، فإنه في شغل بعيبه ونفسه، وطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وويل لمن نسى عيبه وتفرغ لعيوب الناس، فالأَول علامة السعادة، والثاني علامة الشقاوة” [طريق الهجرتين].


ولنا في سيرة السلف أسوة

أخي المجاهد: إن لك في سلفك الصالح أسوة حسنة، ومثلا أعلى تقتدي به؛ ونحن نذكر لك بعضا من كلامهم؛ لعلك أن تكون متأسيا بأقوالهم، متبعا لفعالهم؛ قال البخاري رحمه الله: سمعت أبا عاصم يقول: “منذ عقلت أن الغيبة حرام ما اغتبت أحدا قط” [سير أعلام النبلاء].

ولذلك كان كلامهم -رحمهم الله- قليلا؛ قال الفضيل بن عياض رحمه الله: “كان بعض أصحابنا يحفظ كلامه من الجمعة إلى الجمعة” [الصمت].

وروى الذهبي عن ابن وهب أنه قال: “نذرت أني كلما اغتبت إنسانا أن أصوم يوما فأجهدني فكنت أغتاب وأصوم، فنويت أني كلما اغتبت إنسانا أن أتصدق بدرهم فمن حب الدراهم تركت الغيبة”؛ قال الذهبي رحمه الله:”هكذا -والله- كان العلماء، وهذا هو ثمرة العلم النافع” [سير أعلام النبلاء].

نعم أخي المسلم، إن ثمرة العلم النافع العمل والتطبيق؛ وإياك أن يكون علمك وبالاً عليك في دنياك وآخرتك؛ اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. والحمد لله رب العالمين.

(وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ)
(سورة المنافقون الآية 8)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى