إذاعة البيان

تَذكير الرجال بما أنزَل المُتعَال في المُتَخَلِّفِينَ عَنِ القِتَال

بسم الله الرحمن الرحيم


إذاعة البيان

تقدم


تَذكير الرجال بما أنزَل المُتعَال
في المُتَخَلِّفِينَ عَنِ القِتَال


متوفرة: PDF + DOC + MP3 + قراءة مباشرة


Please wait while flipbook is loading. For more related info, FAQs and issues please refer to DearFlip WordPress Flipbook Plugin Help documentation.


للإستماع


التفريغ

فهرس الحلقات

الــمـــقــدمــة
الحـــلــقـــة 1
الحـــلــقـــة 2
الحـــلــقـــة 3
الحـــلــقـــة 4
الحـــلــقـــة 5
الحـــلــقـــة 6

في المتخلفين عن القتال

الصادرة عن

الوصف: الدولة الإسلامية

الوصف: خلافة على منهاج النبوة

الوصف: شعار-

مقدمة

إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:

هذا تفريغ نصي نشرته مؤسسة البتار للسلسلة الصوتية الصادرة عن إذاعة البيان التي بعنوان [تذكير الرجال بما أنزل المتعال في المتخلفين عن القتال]

وقد نشرته المؤسسة على شكل حلقات متفرقة، ارتأينا جمعها في كتاب واحد ليسهل تداوله ولتعم الفائدة بذلك بإذن الله تعالى.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

الناشر:

مؤسسة صرح الخلافة الإعلامية

ربيع الأول 1442 ه‍

بســـــم الله الرحمــــن الرحيـــــم

الحلقة الأولى

قد عَلِم كُلُّ عَبْدٍ تدبَّرَ القُرآن الكريم، أنَّ ربّهُ قد فرضَ عليهِ عِباداتٍ لا يَسَعُهُ تركُ بعضِها ولوْ عَنَّتْه، لِئَلاّ يحقَّ عليهِ وعيدُ ربِّهِ أو يُفتنَ عن دينِهِ لإصْرارِهِ على معصيته.

ومِنْ هذهِ العِبادات فريضَةُ القِتالِ في سبيلِ الله، قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) وقالَ النبِيُّ (صلى الله عليه وسلم): ” مَنْ مَاتَ ولَمْ يَغْزُوا ولَمْ يُحَدِّث بهْ نَفْسَهُ مَاتَ على شُعْبَةٍ مِنَ نِفَاق”.

كما أنَّ القتالَ باتَ فَريضَةً مُتعيِّنةً على المُؤمِنينَ دُونَ المُؤمِناتِ والمُعذَّرِين، وقد تبيَّنَ لِكُلّ من اطَّلَعَ على سيرةِ خاتَمِ المُرسَلينَ أنَّهُ (صلى الله عليه وسلم) وصَحابَتَهُ قاتلوا المُشرِكين وجاهَدُوهُم بأموالهِم وأنفُسهِم حتّى أتاهُم اليقين، فما مِنْ مُتخلِّفٍ مِنهُم أو مُعَوِّقٍ لهُم إلا كانَ مِنَ المُنافِقينَ الذين فُضِحُوا بقُرآنٍ يُتلى إلى يومِ الدِّين.

وللحَذِرِ مِنْ أنْ نكُونَ أمثالَهُم، نُبَيِّنُ في هذه السِّلسِلَةِ تَفسيراً لآياتِ الكِتَابِ المُبين، التي نَزَلت في هذا الأمرِ العظيم .

الحمدُلله ربِّ العالمين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على مَنْ أرْشَدَنا سبيلَ النَّاجِين، وعلى آلِهِ وصحبهِ السَّابِقينَ الأوَّلِين، وعلى التَّابِعينَ لهُم بإحْسَانٍ إلى يومِ الدِّين وبعد :

نَتناولُ في هذهِ السِّلسِلة تفسيراً يسيراً لآياتِ الكِتاب المُبين التي نزلت في المُتخلِّفين عن فريضةِ الجهادِ في سبيل الله، ولسنا نخصّ تذكير المُتخلِّفين والقاعدين فقط، بل نُذكِّر بها المجاهدين أيضا بأهمية الثبات على هذا الطريق وإخلاص النية لله، وعلى إتيان مواقع البأس والقتال.

إذ أنَّ مصطلح الجهاد لفظٌ عام يحمل مراده على القتال مالم يخصص بعمل معين يصرفه عنه والمصطلح مشتمل على أعمال القلب والجوارح، كجهاد النفس بنهيها عن المحرمات وحثِّها على الطاعات والدعوةِ وإنفاق المال وغيرِ ذلك من العبادات التي تنطوي تحت مصطلح الجهاد.

فنبدأ مُستعينين بالله في حلقتنا الأولى بآيةٍ من سورة البقرة، قلَّ منْ تدبَّرها من الناس وعلِم معناها وعمِل بها بل ذهب الكثيرون إلى تأويلها وفهمها على خلاف معناها والاستدلال بها على غيرِ مادلَّت عليه ممّا أصاب هؤلاء الناسَ الوهَن وهلَكوا بسبب قِلَّة تدبُّرهِم وفِقههِم لآيات ربِّهم، الأمر الذي أدى أيضاً لتسلُّط الأعداء عليهم والله المستعان.

والآيةُ في الجزء الثاني من سورة البقرة في قول الله تعالى (وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).

فننقُل بعض الأقوال التي وردت عن الصحابةِ والتابعين رضي الله عنهم في هذه الآية : قال عبدالله ابن عباس : “ليس التَّهلُكة أن يُقتل الرجل في سبيل الله، ولكن الإمساك عن النفقة في سبيل الله. وُروي عنه أيضاً أنه قال : “لايقولنَّ أحدكم إني لا أجدُ شيئاً إنْ لم يجد إلا مِشْقَصاً فليتجهَّز به في سبيل الله” .. (والمِشقص هو نصل السهم) .. وقال سعيد بن المسيِّب ومُقاتِل بن حيان لمّا أمر الله تعالى بالإنفاق قال رجل : ” أُمِرْنا بالنَّفقةِ في سبيل الله ولو أنفقنا أموالنا بقينا فقراء، فأنزَل اللهُ هذه الآية. وقال زيدٌ ابن أسلم : كان رجالٌ يخرجون في البعوث بغير نفقه فإمّا أنْ يُقطَع بهم وإما كانوا عِيالا فأمرهم الله تعالى بالإنفاق على أنفسهم في سبيل الله ومن لم يكن عنده شيٌ ينفقه فلا يخرج بغير نفقةٍ ولاقوت فيُلقي بيده إلى التهلكة .. وروى الترمذي عن أسلم أبي عِمران أنه قال : ” كنا بمدينة الروم فأخرجوا إلينا صفاً عظيماً من الروم فخرج إليهم مِن المُسلمين مثلُهم أو أكثر وعلى أهل مصر عقبة بن عامر وعلى الجماعة فُضاله بن عبيد، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم فصاح الناس وقالوا سبحان الله يُلقي بيديه إلى التَّهلُكة فقام أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه فقال : يا أيُّها الناس إنّكُم لتُؤَوِّلون هذه الآيةَ هذا التأويل وإنما نز لت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما أعزَّ الله الإسلام وكثر ناصروه فقال بعضنا لبعض سرّاً دون رسول الله صلى الله عليه وسلم إنَّ أموالنا قد ضاعت وإنَّ الله قد أعزَّ الإسلام وكثر ناصروه فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ماضاع منها فأنزل الله تبارك وتعالى على نبيِّه يرد علينا ماقلناه (وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)…فكانت التهلُكة هي الإقامة على الأموال وإصلاحُها وترْكنا الغزو، فما زال أبو أيوب شاخصاً في سبيل الله حتى دُفِن بأرض الروم.

وعن أبي إسحاق قال : ” سمعت رجلاً سأل البراء بن عازب يا أبا عُمارة، أرأيت قول الله (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)… أهوَ الرجل يتقدم فيُقاتل حتى يقتل ؟ قال : لا .. و لكنه الرجل يعمل بالمعاصي ثم يُلقي بيدهِ ولا يتوب .. قال محمد بن سيرين وعبيدة السلماني الإلقاء إلى التهلكة هو القنوط من رحمة الله تعالى .. قال ابن كثير : ومضمون الآية الأمر بالإنفاق في سبيل الله في سائر وجوه القُرُبات و وُجوه الطاعات خاصة صرف الأموال في قتال الأعداء وبذلها فيما يقوى به المسلمون على عدوهم والإخبارعن ترك فعل ذلك بأنه هلاك ودمار إنْ لزمه وأعتاده ثم عطف بالأمر بالإحسان هو أعلى مقامات الطاعة .. قال عز وجل (وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) فإنه سبحانه يحب المحسنين في ذلك ..

هذا وإلى لقاءٍ آخر .. في الحلقه الثانية من :

سلسلة تذكيرالرجال بما أنزل المُتعال في المُتَخَلِّفِينَ عَنِ القِتَال ..

ــــــــــــــــــــ۩ـــــــــــــــــــ

الحلقة الثانية

قد عَلِم كُلُّ عَبْدٍ تدبَّرَ القُرآن الكريم، أنَّ ربّهُ قد فرضَ عليهِ عِباداتٍ لا يَسَعُهُ تركُ بعضِها ولوْ عَنَّتْه، لِئَلاّ يحقَّ عليهِ وعيدُ ربِّهِ أو يُفتنَ عن دينِهِ لإصْرارِهِ على معصيته.

ومِنْ هذهِ العِبادات فريضَةُ القِتالِ في سبيلِ الله، قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) وقالَ النبِيُّ (صلى الله عليه وسلم): ” مَنْ مَاتَ ولَمْ يَغْزُوا ولَمْ يُحَدِّث بهْ نَفْسَهُ مَاتَ على شُعْبَةٍ مِنَ نِفَاق”.

كما أنَّ القتالَ باتَ فَريضَةً مُتعيِّنةً على المُؤمِنينَ دُونَ المُؤمِناتِ والمُعذَّرِين، وقد تبيَّنَ لِكُلّ من اطَّلَعَ على سيرةِ خاتَمِ المُرسَلينَ أنَّهُ (صلى الله عليه وسلم) وصَحابَتَهُ قاتلوا المُشرِكين وجاهَدُوهُم بأموالهِم وأنفُسهِم حتّى أتاهُم اليقين، فما مِنْ مُتخلِّفٍ مِنهُم أو مُعَوِّقٍ لهُم إلا كانَ مِنَ المُنافِقينَ الذين فُضِحُوا بقُرآنٍ يُتلى إلى يومِ الدِّين.

وللحَذِرِ مِنْ أنْ نكُونَ أمثالَهُم، نُبَيِّنُ في هذه السِّلسِلَةِ تَفسيراً لآياتِ الكِتَابِ المُبين، التي نَزَلت في هذا الأمرِ العظيم .

الحمد لله والصلاةُ والسلام على رسولِ الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد :

ندبَّر اليوم في حلقَتِنا الثانية، آيةً تُخبرُنا بأنَّ سُنَّةَ التمحيص بالقتال مضت قائمة حتى في الأمم السابقة، وأنَّ ملأً كثيراً من بني إسرائيل نكصوا وجَبُنوا عن قِتال عدِّوهم رغم أنهم طلبوا من نبيِّهم أن يبعث لهم مَلِكاً ليُقاتِلوا في سبيل الله الذين أخرجوهم من ديارهِم.

والآيةُ مِن سورة البقرة .. في قول الله تعالى : (فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ ۗ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ )

فننقُلُ بتصرُّفٍ يسير ماجمعناهُ مِنْ أقوال أهلِ التفسير ونقولُ مُستَعينين بالله في قولهِ تعالى (فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ) … أي فلمَّا خرَج المَلِكُ طالوت بالجنود لقتال عدّوهم قالوا لهُ إنّ المياهَ لاتحمِلُنا، فادعوا الله أن يُجرِيَ لنا نهراً، فقال طالوت إنَّ الله مُبتليكُم بنهَر، وكان عددهم في قول السٌّدِّي رحمه الله ثمانين ألفا، وقد اختبرهُم طالوت بأمر الله ليتبيَّن المُؤمِنَ الصادق بخروجهِ للقتال ممَّن ليس كذلك فقال : (فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ) .. فمَنْ ظَهرَت طاعتُهُ في ترك الماء عُلِمَ أنهُ صابرٌ مُطيعٌ فيما عدا ذلك، ومنْ غلبَت عليهِ شهوتُهُ فعصى الأمر وشرِبَ تبيَّنَ أنه لن يستطيع الصبرعلى مشقَّات القِتال، ورُويَ أنهم أتوا النهر وقد نالهُم عطش وهو في غاية العُذوبة، فلذلك رُخِّصَ لهُم بشُرْبِ غُرفةٍ واحدة ليرتَفِعَ أذى العطش بعض الإرتفاع، ومِن هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: “حَسْبُ الآدَمِيِّ لُقَيمَاتٍ يُقِمْنَ صُلبه ”

ثم قال الله تعالى : (فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ) .. فعصىَ أكثرُهُم وشربوا الشُّربَ المنهِيّ عنه قال ابن عباسٍ رضي الله عنه: ” شربوا على قدرِ يقينهِم، فشَرِبَ الكُفّار شُرْبَ الهِيم، وشَرِبَ العاصُون دونَ ذلك .. وانصرفَ مِنَ القوم ستةٌ وسبعونَ ألفاً وبقيَ بعضُ المُؤمِنين لم يشرَبْ شيئاً، وأخَذَ بعضُهُم الغُرفة.. فأمّا مَن شَرِبَ فلَمْ يُروَى بل برَّحَ به العطش، وأمَّا مَنْ ترَكَ الماء فحسُنَت حالُه وكان أجلَدَ مِمَّن أخذَ الغُرفة، ثم قال الله تعالى : (فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ) … أي فلمَّا جاوز طالوت النهر ومعه المؤمنون الذين أطاعوا الأمر وأيضاً معه أهل النفاق والعِصيان الذين لم يرجِعوا بعد عِصيانهِم الأمر بشُرْبِ الماء، فلمّا رأى هؤلاء المُرتابونَ كثرة عدوِّهِم وعُدَّتَه قالوا لاطاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده .. قال ابن عباس والسُدِّي: ” جازَ معهُ في النهر أربعةُ آلافِ رجُلٍ فيهِم مَنْ شَرِب فلمَّا نظروا إلى جالوتَ وجنودِه وكانوا مئة ألفٍ كلُّهم شاكُونَ في السلاح رجع منهم ثلاثةُ آلافٍ وستمئةٍ وبضعةٌ وثمانُون، ثم قال تعالى : (قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللهِ) … أي قال المؤمنون المُستَيْقِنُون بالبعث دون غيرهم – الذين قالوا لاطاقة لنا اليوم – .. قالوا مُتوكِّلين على ربِّهم ومثبِّتين لبعضِهِم (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) .. أي كثيراً ماتغلِبُ الجماعةُ القليلةُ الجماعة الكثيرة بإرادة الله فلا تضرّ القِلّة مع نصرهِ سبحانهُ، فالله تعالى مع الصابرين ينصرهُم ويُؤَيِّدهُم بمعِيَّتِه ومعونَتِه قال تعالى(وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ )

والنبيُّ داوود هو من أحفادِ يهوذا بن يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم عليهم السلام خرج عندما كان فتىً صغيراً مع قومه لقتالِ جالوت، كان راعِياً قصيراً مِسْقاما، وكان مِنْ أرْمىَ الناس بالمِقلاع، فعندما خرج جالوت يطلبُ مُبارِزاً كعَّ الناسُ عنه حتى قال الملك طالوت : من يبرُزُ إليه ويقتله أزَوِّجْهُ ابنتي وأُحَكِّمهُ في مالي ! فجاءَ داوودُ وقال : أنا أبرُزُ إليه وأقتله ! فازْدَراهُ طالوتُ حين رآه لصِغَرِ سِنِّهِ وقصره فردَّهُ ثمَّ نادى ثانيةً وثالثه، فخرج داوود ثم كلَّمَهُ المَلِكُ طالوتُ وقال له: إركب فرَسِي وخُذ سِلاحي ففعل، فلمَّا مشَىَ قليلاً رجع فقال الناس جبُنَ الفتى ، فقال داوود : إنَّ الله إن لم يقتُلهُ ويُعِنِّي عليه لم ينفعني هذا الفرس ولا هذا السلاح ولكني أحِبُّ أنْ أقاتِلَهُ على عادتي .. فنزَلَ وأخَذَ مِخْلاتهُ فتقلَّدَها وأخذَ مِقلاعهُ وخرجَ إلى جالوت، فقال له جالوتُ : وكان عِملاقاً مِن أشدِّ الناس، أنت يافتى تخرج إليَّ هكذا كما تخرُجُ إلى الكلب !! قال : نعم .. وأنتَ أهوَن .. قال جالوت لأُطْعِمَنَّ اليوم لحمكَ للطَّيرِ والسِّبَاع .. ثمّ تَدانَيا وقصَدَ جالوتُ أن يأخُذَ داوود بيدِهِ استخْفَافاً به فأخذ داوود الحجَرَ ووضَعهُ في المِقلاع وسمَّى الله وأدارهُ ثُمّ رماه فأصابَ به رأس جالوت فقتلهُ وقد أصاب بالحجر من البيضةِ مَوضِعَ أنفِهِ وقيلَ موضِعَ عَيْنِهِ وقدْ خرَجَ الحجرُ مِن قفاه، ثمّ حزَّ رأسهُ وجعلهُ في مِخْلاتِه ثمّ اختلط الناس وحملهُ أصحابُ طالوت فكانت الهزيمة لجالوتَ وجُندِه.

وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: ” كُنَّا نتحدَّث أن أصحاب بدرٍ كانوا بعَددِ أصحاب طالوت ثلاثُمِئَةٍ وثلاثةَ عشَر.

هذا وإلى لقاءٍ آخر في الحلقه الثالثه من سلسلة تذكير الرجال بما أنزل المتعال في المتخلفين عن القتال

هذا وإلى لقاءٍ آخر .. في الحلقه الثالثة من :

سلسلة تذكيرالرجال بما أنزل المُتعال في المُتَخَلِّفِينَ عَنِ القِتَال ..

ــــــــــــــــــــ۩ـــــــــــــــــــ

الحلقة الثالثة

قد عَلِم كُلُّ عَبْدٍ تدبَّرَ القُرآن الكريم، أنَّ ربّهُ قد فرضَ عليهِ عِباداتٍ لا يَسَعُهُ تركُ بعضِها ولوْ عَنَّتْه، لِئَلاّ يحقَّ عليهِ وعيدُ ربِّهِ أو يُفتنَ عن دينِهِ لإصْرارِهِ على معصيته.

ومِنْ هذهِ العِبادات فريضَةُ القِتالِ في سبيلِ الله، قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) وقالَ النبِيُّ (صلى الله عليه وسلم): ” مَنْ مَاتَ ولَمْ يَغْزُوا ولَمْ يُحَدِّث بهْ نَفْسَهُ مَاتَ على شُعْبَةٍ مِنَ نِفَاق”.

كما أنَّ القتالَ باتَ فَريضَةً مُتعيِّنةً على المُؤمِنينَ دُونَ المُؤمِناتِ والمُعذَّرِين، وقد تبيَّنَ لِكُلّ من اطَّلَعَ على سيرةِ خاتَمِ المُرسَلينَ أنَّهُ (صلى الله عليه وسلم) وصَحابَتَهُ قاتلوا المُشرِكين وجاهَدُوهُم بأموالهِم وأنفُسهِم حتّى أتاهُم اليقين، فما مِنْ مُتخلِّفٍ مِنهُم أو مُعَوِّقٍ لهُم إلا كانَ مِنَ المُنافِقينَ الذين فُضِحُوا بقُرآنٍ يُتلى إلى يومِ الدِّين.

وللحَذِرِ مِنْ أنْ نكُونَ أمثالَهُم، نُبَيِّنُ في هذه السِّلسِلَةِ تَفسيراً لآياتِ الكِتَابِ المُبين، التي نَزَلت في هذا الأمرِ العظيم .

الحمد لله الذي يفعلُ مايشاء، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ أولي العزمِ مِن الأنبياء، وعلى آلِه وصَحبِه الصِّدِّيقين والشُّهداء، والتابعين ومن تبِعَهُم ومن صَبَرَ في البأساءِ والضَرَّاء، وبعد…

حديثُنا في الحلقه الثالثة، عن آيَتيْنِ مِن الآيات التي نزَلَت في غزوةِ أُحُدْ ، تلك الغزوةُ التي انكشف فيها المُسلمون وانحازوا بُعَيْدَ تمكُّنِهِم مِن عدوِّهِم ، وذلك بعد أنْ عصىَ الرُّماةُ أمرَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بِلزُومِهِم الجبَل ، فنزلوا عنهُ ظنّاً مِنهُم أنَّ الغزوةَ قد انتهَت بظَفَرِ المُسلمين ، ممَّا أدَّى إلى التفافِ المُشرِكين مِن ثغْرِ الرُّماة على المسلمين واشتِدادِ وطأتِهِم وقِتالِهِم ، فقَدَّرَ اللهُ تعالى ذلك الأمر لحِكْمَةٍ مِنهُ سُبحانه ، وقد أنزَلَ تعالى آياتٍ كثيرةٍ عن مَشاهِدِ أحُد في أواخِر سورةِ آلِ عِمران ، نذكُرُ بعضَ الآياتِ التي تتناولُ فريضة القِتال ، وتُخبِرُنا بأحوالِ مَن سبَقنا في هذه العِبادة ، قال اللهُ تعالى : (إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ )..

فنقول وبالله التوفيق ممَّا قالهُ السَّلفُ والخلفُ في قوله تعالى : (إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ) .. أي إن يُصِبْكُم القتلُ والجِراح يوم أحُدٍ يا مَعْشَرَ أصحابِ النبيِّ فقد أصابَ أعداؤُكُم قريبٌ مِن ذلك مِن قتلٍ وجِراحٍ يومَ بَدْر ، ثمّ قال الله تعالى : (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) … يُداوِلُ الله الأيام بينَ الناسِ في الحَرْبِ فتكونُ مرَّاتٍ للمُؤمنين .. ومرَّةً للكافرين إذا عصَىَ المُؤمِنون ليَبْتلِيَهُم ويُمَحِّصَ صُفوفهُم ، فأمَّا إذا أخذوا بالأسباب الشرعيةِ ولم يعصُوا الله فإنَّ نصرَهُم حقٌّ عليهِ سُبحانه ، وقد أُدِيلَ المُسلمون على المشركين يومَ بدْرٍ حتى قتلوا مِنهُم سبعِينَ وأسروا سبعِين ، وأُدِيلَ المُشرِكون مِن المُسلمين يوم أحُد حتى جرَحُوا مِنهُم وقتلوا سبعِين ، وقيل في معنى نُداوِلُها بين الناس؛ أي مِن فَرَحٍ وغَمّ ، وصِحَّةٍ وسقَمٍ وغِنَىً وفقْر .. قال قُتادة رحمه الله : وإنه والله لولا الدُّوَلُ ما أوذِيَ المُؤمِنون ، ولكن قد يُدالُ للكافِر مِن المُؤمن ويُبتلىَ المُؤمن بالكافر ، ليعلَم الله مَن يُطيعُهُ ممَّن يعصِيه ، ثمَّ قال الله تعالى : (وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ).. أي ليَعلَم أيُّكُم آمَن بحقّ، قال ابن عباس رضي الله عنه : معنى العِلْمُ هاهُنا الرؤية .. وعن عِكرِمَة رحمه الله قال : لما أبطأ على النِّساء الخبر خَرجْنَ يسْتَخبِرنَ فإذا رجُلانِ مقتولان على دابةٍ أو على بعير ، فقالت امرأةٌ مِن الأنصار: مَن هاذان ؟ قالوا : فُلانٌ وفُلان .. أخوها وزوجها أو زوجها وابنها … فقالت : مافعلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا : حيّ .. قالت : فلا أبالي ، يتِّخِذُ اللهُ مِن عِبادِه الشُّهَداء .. ونزَلَ القُرآن على ماقالت .. ويتَّخِذَ مِنكُم شُهَداء ..

ثم قال تعالى : (واللهُ لاَيُحِبُّ الظَّالِمِين) … أي وإن أدَالَ اللهُ للمُشرِكين مِنَ المُؤمنين فهُو لا يُحِبُّ المُشرِكين ، وإن أحلَّ ألماً بالمُؤمِنين فإنهُ يُحِبُّ المُؤمِنين ، وقيل في الظالمين همُ الذين ظلموا أنفُسَهُم بالتخلُّفِ عنِ القِتالِ في سبيله ، ثمّ قالَ عزَّ وجلّ : (وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) التمحيص : هُو التَّخليص والمعنى : لِيَبتَلِيَ المُؤمِنين فيُخَلِّصَهُم مِن ذُنوبِهِم ويُثِيبهُم. قال ابن عباس رضي الله عنه : ويمْحَقُ الكافِرين أي : يُنقِصُهُم ، وقال الحسن البصري : ليُمَحِّصَ اللهُ المُؤمنَ حتى يُصَدِّقَهُ ويمْحَقَ الكافِرَ حتى يُكذِّبَهُ ،وقال ابن اسحاق : يُبطِلُ مِن المُنافِقين قولهُم بألسِنَتِهِم ماليسَ في قُلوبهِم حتى يَظهَرَ مِنهُم كُفرهُم الذي يستَتِرونَ بهِ مِنكُم .. ثم قال تعالى : (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) أم حسِبتُم يا معشَر أصحابِ مُحمد ، وظَننتُم أن تدخلوا الجنَّةَ وتنالوا الكراماتِ والدرجاتِ العُلىَ كما دخَلَ الذين قُتِلوا و صَبروا على ألمِ الجِراح ، مِن غيرِ أن تسلُكوا طريقهُم وتصبِروا صبرهُم .. ولمَّا يتَبيَّنِ المُجاهد الصابر على الابتلاءات والبأساء في القتال ، ثمّ قال الله تعالى : (وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ) فعن ابن عباسٍ رضي الله عنه أنَّ رِجالاً مِنَ الصحابةِ كانوا يقولون : ليتَنا نُقتَلُ كما قُتِلَ أصحابُ بَدْر ، أو ليت لنا يوماً كيومِ بدرٍ نُقاتِلُ فيهِ المُشرِكين ونُبلي فيه خيرا ،أو نلتَمِسُ الشَّهادة والجنَّة والحياة والرزق ، فأشهدهم الله أحُداً فلَم يلبثوا إلا مَن شاء الله منهُم فأنزل الله الآية .

ونُكمِلُ إن شاء الله الآيات التالية من سورة آلِ عِمران التي تتناول فريضةَ القتال في سبيل الله ،

هذا وإلى لقاءٍ آخر .. في الحلقة الرابعة من :

سلسلة تذكيرالرجال بما أنزل المُتعال في المُتَخَلِّفِينَ عَنِ القِتَال ..

ــــــــــــــــــــ۩ـــــــــــــــــــ

الحلقة الرابعة

قد عَلِم كُلُّ عَبْدٍ تدبَّرَ القُرآن الكريم، أنَّ ربّهُ قد فرضَ عليهِ عِباداتٍ لا يَسَعُهُ تركُ بعضِها ولوْ عَنَّتْه، لِئَلاّ يحقَّ عليهِ وعيدُ ربِّهِ أو يُفتنَ عن دينِهِ لإصْرارِهِ على معصيته.

ومِنْ هذهِ العِبادات فريضَةُ القِتالِ في سبيلِ الله، قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) وقالَ النبِيُّ (صلى الله عليه وسلم): ” مَنْ مَاتَ ولَمْ يَغْزُوا ولَمْ يُحَدِّث بهْ نَفْسَهُ مَاتَ على شُعْبَةٍ مِنَ نِفَاق”.

كما أنَّ القتالَ باتَ فَريضَةً مُتعيِّنةً على المُؤمِنينَ دُونَ المُؤمِناتِ والمُعذَّرِين، وقد تبيَّنَ لِكُلّ من اطَّلَعَ على سيرةِ خاتَمِ المُرسَلينَ أنَّهُ (صلى الله عليه وسلم) وصَحابَتَهُ قاتلوا المُشرِكين وجاهَدُوهُم بأموالهِم وأنفُسهِم حتّى أتاهُم اليقين، فما مِنْ مُتخلِّفٍ مِنهُم أو مُعَوِّقٍ لهُم إلا كانَ مِنَ المُنافِقينَ الذين فُضِحُوا بقُرآنٍ يُتلى إلى يومِ الدِّين.

وللحَذِرِ مِنْ أنْ نكُونَ أمثالَهُم، نُبَيِّنُ في هذه السِّلسِلَةِ تَفسيراً لآياتِ الكِتَابِ المُبين، التي نَزَلت في هذا الأمرِ العظيم .

الحمد لله الذي يفعلُ مايشاء، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ أولي العزمِ مِن الأنبياء، وعلى آلِه وصَحبِه الصِّدِّيقين والشُّهداء، والتابعين ومن تبِعَهُم ومن صَبَرَ في البأساءِ والضَرَّاء، وبعد…

فعندما أُصِيبَ المُؤمِنون بالجِراحِ والهُمومِ في غزوةِ أُحُد، وبعد معصِيةِ بعضهم لأمرِ نبيّهم كما بيَّنا في الحلقة السابقة، كان مِن بينِ تِلكَ الابتلاءاتِ أيضاً : إشاعةُ خَبرِ مَقتلِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقد لقيَ هذا الخبرُ تأثيراً في النفوس، وتَغيُّراتٍ على وقائِعِ الغزوة.

فنبدأ مُستعينين بالله بِذِكر الآيات التي نزلت في هذا الأمرِ من سورةِ آلِ عِمران، قال الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]

لمَّا أقبلَ المُشرِكُ عبد الله ابن قَمِئَة يريدُ قتلَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم يوم أحُد، ذبَّ الصحابي مُصعبُ بن عُمَيرٍعنه فقتله ابن قَمِئَة وهو يرى أنهُ قتلَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم؛ وذلك لشِدَّةِ شبَهَ مُصعب بن عُمير برسولِ الله، فرجع ابن قَمِئَة إلى المشركين و قال: إني قتلتُ محمدا، وصاحَ صارِخٌ ألا إنَّ مُحمداً قد قُتِل، ويُقال إنَّ ذلك الصارخ كان إبليسَ لعنهُ الله، فانكفأ الناسُ وجَعلَ النبي صلى الله عليه وسلم يدعوا الناس ويقول : إِليَّ عِبادَ الله فاجتمع إليه ثلاثونَ رجُلاً، فحَموْهُ وكشفوا عنهُ المُشرِكين، وقد كُسِرت حينها رُباعِيَّته وشُجَّ رأسُهُ صلواتُ الله وسلامه عليه، ورمى سعد بن الوقاص حتى اندقَّت سِيَتُ قوسه، وأصِيبت يدُ طلحة بن عبيد الله ويَبِسَت، وأصِيبت عينُ قتادة بن النعمان، فردَّها رسولُ اللهِ مكانها فعادت كأحسنِ ما كانت، وقد أدرك المُشرِك أُبَيّ ابن خلف رسول الله وهو يقول له : لا نجوتُ إن نجوت.

فقال القوم: يا رسول الله، ألا يعطِفُ عليه رجلٌ مِنا ؟ فقال : دعوهُ حتى إذا دنى مِنه… وكان أُبَيّ قبلَ ذلك في مكةَ يتوعَّد رسول الله بأن يقتله، وكان نبي الله يردُّ عليه قائلاً : بل أنا أقتُلُكَ إن شاء الله، فلمّا دنى مِنهُ في أُحُد تناولَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الحربةَ ثُم استقبلهُ وطعَنهُ في عُنُقِه، فخَدَشهُ خدشة، فتدَهدَأَ ابن خلف عَن فَرسِه وهُو يخُورُ كما يخورُ الثور ويقول: قتلني مُحمد، فأخذَهُ أصحابه وقالوا: ليسَ عليكَ بأس، قال: بلى، لو كانت هذه الطّعنة بربيعةَ ومُضَرَ لقَتَلتهُم، أليس قال لي أقتُلك ؟! فلو بزَقَ عليّ بعد تلك المقالةِ لقَتلنِي، فلم يلبث إلا يوماً حتى مات.

وقال ابن أبي نجيح: إنَّ رجُلاً مِنَ المُهاجِرين مرَّ على رجُلٍ مِنَ الأنصار وهو يتشحَّطُ في دمه، فقال: يا فُلان أشَعَرتَ أنَّ مُحمداً قد قُتِل ؟ فقال الأنصاري: إن كان محمدٌ قد قُتِل فقد بَلّغ، فقاتِلوا عن دينِكُم.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: اشتدَّ غضبُ اللهِ على مَن دمّىَ وجهَ رسولِه، قالوا: وفشىَ في الناس أنَّ مُحمداً قد قُتِل، فقال بعضُ المُسلمين: ليت لنا رسولاً إلى عبد الله بن أُبَيّ يأخذُ لنا أماناً مِن أبي سُفيان، وبعضُ الصحابةِ جلسوا وألقوا بأيديهِم، وقال أُناسٌ مِن أهلِ النفاق إن كانَ محمدٌ قد قُتِلَ فالحقوا بدينِكُم الأوَّل، فقال أنس بن النَّضْر: يا قوم إن كان قُتِلَ محمد فإنَّ ربّ محمد لم يُقتَل، وما تصنعون بالحياةِ بعد رسولِ الله ؟ فقاتِلوا على ما قاتَلَ عليه، وموتوا على ما ماتَ عليه، ثم قال: اللهُمَّ إني أعتذرُ إليك ممَّا يقولُ هؤُلاء -يعني المسلمين- وأبرأُ إليك ممَّا جاءَ به هؤُلاء -يعني المنافقين-، ثمّ شدَّ بسيفِه فقاتَلَ حتى قُتِل، وكان الصحابي كعبُ بن مالك هو أولُ من رأى النبي صلى الله عليه وسلم وعرفه، قال: عرفت عينيه تحتَ المِغفَر تُزهِران، فناديتُ يا معشرَ المسلمين أبشروا هذا رسول الله، ثم انحازت إليه طائفة مِن أصحابِه فقالوا: يا نبيَّ الله فديناك بآبائِنا وأُمَّهاتِنا، أتانا الخبرُ بأنك قد قُتِلت فرُعِبَت قلوبُنا فولَّينا مُدبِرين، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾

وعاتبَ بها أصحاب رسوله على ما كان منهم، وقد أخبر الله تعالى في هذه الآية أنَّ الرُّسُلَ ليست بباقية في قومِها أبدا، وأنه يجب التمسُّكُ بما أتت به الرُّسُل وإن فُقِد الرسول بموتٍ أو قتل، قال عز وجل: ﴿ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا ﴾ … أي: إن مات محمدٌ لانقضاء مُدَّةِ أجلِه أو قَتلَهُ عدوُّه إرتَددْتُم عن دينِكُم الذي بلَّغهُ لكُم ورجعتم كُفَّاراً بعد إيمانِكُم، ومن يرتَدِد مِنكُم عن دينِه ويرجِع كافراً بعد إيمانِه فلن يوهِنَ ذلك عزَّة الله، قال ابن جُرَيج: قال أهلُ المَرَضِ والارتياب والنفاق حين فرَّ الناس عن النبي: قد قُتِلَ محمد فالحقوا بدينِكُم الأول. فنزلت الآية ثم قال الله تعالى: ﴿ُوَسَيَجزِي اللهُ الشّاكِرينَ﴾ … أي: سيُثيبُ اللهُ مَن شكَرَهُ على هِدايتِه، وثَبُتَ على دينِهِ ونَهجِ رسولِه سواءٌ أماتَ النبيُّ أم قُتِل، وقال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: ١٤٥]

قال ابن اسحاق: أي : أنَّ لمُحمدٍ أجلاً هو بالِغُهُ إذا أذِنَ الله له في ذلك كان، وقيل معناه أنه وما كانت نفسٌ لتموت إلا و بقضاءِ الله وقَدَرِهِ وبِعِلمِه وبأمرِه، ثم قال تعالى: ﴿ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾[آل عمران: ١٤٥] … ومعناه: أنَّه مَن كانَ عمله للدُّنيا فقد نالَ مِنها ما قَدَّرَهُ الله له ولم يكن له في الآخرة مِن نصيب، ومن قَصَدَ بعملِهِ الدَّار الآخرة أعطاهُ اللهُ مِنها مع ماقَسَم له في الدنيا.

وقيل: أنها نزلت في الذينَ عَصوا وتَركُوا مركزهم يومَ أُحِدٍ طلباً للغنيمة، وأمّا الذين بقوا في مركزهِم وثبتوا مع أميرهم عبد الله بن جُبَير حتى قُتِلوا فأولئِكَ الذين أرادوا ثوابَ الآخِرَةِ بطاعتهِم وشُكرهِم، ثم قال تعالى: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦] وفي قراءة: ﴿وَكَأَيِّن مِن نَبِيٍّ قُتِل مَعَهُ رِبِّيّونَ كَثيرٌ﴾

ومعنى (رِبِّيّونَ كَثيرٌ) أي: عُلمَاء كُثُر على قول ابن عباس رضي الله عنه، وقال الضحاك: هم جموعٌ كثيرة قُتِلَ نبيهم، ثم قال تعالى: ﴿ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦]

قال ابن اسحاق: فما وهَنوا لفقدِ نبيهم وما ضعفوا عن عدوهم، وما استكانوا لما أصابهم في الجهاد عن الله وعن دينهِم، وذلك الصبر الذي يُحبُّه الله، وقال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٧] … (اغفِر لَنا ذُنوبَنا) الصغائرَ منها وما أسرفنا فيه مِنها فتخطَّينا إلى الخطايا والكبائر، واجعلنا ممَّن يثبُتُ لحربِ عدوك وقِتالهِم، ولا تجعلنا ممَّن ينهَزِمُ فيفِرَّ مِنهُم ولا تَثبتُ قدمهُ في مكانٍ واحدٍ لحربهم، ثم قال تعالى في آخر الآية: ﴿ فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ۗ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: ١٤٨]

قال ابن جُريج: ثواب الدنيا: هو النصر والغنيمة، وحُسن ثواب الآخرة: رضوانُ الله ورحمته

وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أنَّ النساء يوم أُحُدٍ كُنَّ خلف المُسلمين يُجهِزْنَ على قتلى المُشركين، فلو حلفتُ يومَئِذ رجوت أن أبَرّ أنه ليسَ أحدٌ مِنا يُريدُ الدُّنيا حتى أنزل الله: ﴿ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]

هذا وإلى لقاءٍ آخر .. في الحلقة الخـامســــــة من :

سلسلة تذكيرالرجال بما أنزل المُتعال في المُتَخَلِّفِينَ عَنِ القِتَال ..

ــــــــــــــــــــ۩ـــــــــــــــــــ

الحلقة الخامسة

قد عَلِم كُلُّ عَبْدٍ تدبَّرَ القُرآن الكريم، أنَّ ربّهُ قد فرضَ عليهِ عِباداتٍ لا يَسَعُهُ تركُ بعضِها ولوْ عَنَّتْه، لِئَلاّ يحقَّ عليهِ وعيدُ ربِّهِ أو يُفتنَ عن دينِهِ لإصْرارِهِ على معصيته.

ومِنْ هذهِ العِبادات فريضَةُ القِتالِ في سبيلِ الله، قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) وقالَ النبِيُّ (صلى الله عليه وسلم): ” مَنْ مَاتَ ولَمْ يَغْزُوا ولَمْ يُحَدِّث بهْ نَفْسَهُ مَاتَ على شُعْبَةٍ مِنَ نِفَاق”.

كما أنَّ القتالَ باتَ فَريضَةً مُتعيِّنةً على المُؤمِنينَ دُونَ المُؤمِناتِ والمُعذَّرِين، وقد تبيَّنَ لِكُلّ من اطَّلَعَ على سيرةِ خاتَمِ المُرسَلينَ أنَّهُ (صلى الله عليه وسلم) وصَحابَتَهُ قاتلوا المُشرِكين وجاهَدُوهُم بأموالهِم وأنفُسهِم حتّى أتاهُم اليقين، فما مِنْ مُتخلِّفٍ مِنهُم أو مُعَوِّقٍ لهُم إلا كانَ مِنَ المُنافِقينَ الذين فُضِحُوا بقُرآنٍ يُتلى إلى يومِ الدِّين.

وللحَذِرِ مِنْ أنْ نكُونَ أمثالَهُم، نُبَيِّنُ في هذه السِّلسِلَةِ تَفسيراً لآياتِ الكِتَابِ المُبين، التي نَزَلت في هذا الأمرِ العظيم .

الحمدُ لله الذي أنزلَ علينا كِتاباً مُنيرا، والصلاةُ والسلام على رسوله الذي جاهدَ به جِهاداً كبيرا، وعلى آلِه وأصحابِهِ الذين ما اتَّخذوا مِن دُونِه وليّاً ولا نصِيرا، والتابعين ومَن تبِعهُم بإحسانٍ وكانَ بعضهُم لبعضٍ ظهِيرا.

وبعد:

تحدثنا في حلقاتٍ سابقة عَن بعضِ الآيات التي نزلت عن وقائِع غزوةِ أُحُدٍ في سورةِ آلِ عِمران، قد علِمنا بِها كيف ابتُلِيَ المُؤمنون بالهَمِّ والغَمِّ و إشاعةِ خبرِ مقتلِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وظهورِ المشركين عليهِم، وقد عَلِم الصحابة أنَّ السَّمْعَ والطاعة والثبات في المعركة ولو قُتِلَ نبيُّهم هو أمرٌ واجب، وهو مِن أهمِّ الأسباب التي ينصُرُهُم الله بها.

وأمّا في هذِهِ الحلقة، نقِفُ عِندَ آيةٍ يصِفُ اللهُ بها حالَ المنافقين الذين خرجوا بغيرِ نِيَّةٍ صادقةٍ إلى الغزوة مع المؤمنين، فخذلوهُم ثم نكصوا على أعقابهِم ولم يؤوبوا ويتوبوا، قالَ الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِّنكُمْ ۖ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ ۗ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلهِ ۗ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا ۗ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ۗ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]

فننقُلُ بتصرُّفٍ واختصار ما قاله المُفسِّرونَ في هذه الآيةِ بُغيَة التَّفكُّرِ والاعتِبار، ونقول مُستعينين بالغَفَّار في قوله تعالى: (ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِّنكُمْ) .. أنزل اللهُ تعالى مُمْتنّاً على عِبادهِ السَّكِينة والأَمَنَة: وهو النُّعاسُ الذي غَشِيَهُم وهُم حامِلون أسلحتهُم في حال همِّهِم و غمِّهِم في غزوةِ أُحُد، والنُّعاسُ في تلك الحال دليلٌ على الأمانِ كما قال تعالى في قصَّةِ بدْر: ﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ ﴾ [الأنفال: ١١]

وعن عبد الله ابن مسعودٍ رضي الله عنه قال: النُّعاسُ في القتال مِن الله، وفي الصلاة من الشيطان. وعن أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه قال: غَشِيَنا النُّعاسُ ونحنُ في مصافِّنا يومَ أُحُد، فجعلَ سيفي يسقُطُ من يدي وآخذه ويسقط وآخذه. انتهى قوله

فإنَّ طائفةَ الإيمانِ والثَّبات التي غَشِيَها النُّعاس هيَ الطائِفةُ الأُولى التي ذكرها الله، وأمّا الطائفةُ الأُخرى في قوله تعالى: (وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ) فهي طائفةُ المنافقين لم يغشها النُّعاس من القلق والخوف؛ لظنِّهِم أنَّ المُشرِكين لما ظهروا هُنيهَةً في أُحُد، أنَّ الإسلام قد بادَ وأهلَه، فأساؤوا الظنَّ بربِّهِم وحسِبُوا أنه تعالى غير متمٍّ أمرَ رسوله بقولهم: (هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ)، وهذا استفهام إنكاري، أي: ما لنا من النَّصر والظُّهُورِ شيء، فقال الله تعالى في جوابهم: (قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلهِ) فالأمر القدَرِيُّ والشَّرعِيُّ كلُّه لله، يُصرِّفُهُ ويُدبِّرُهُ كيف يشاء ويُحِب، فعاقبةُ النَّصرِ في الدُّنيا والفوزِ بالجنَّةِ يُقدِّرُها الله لمَن آمنَ بالقَدرِ خيرِهِ وشَرِّهِ، ثمّ قال تعالى: (يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ) أي أنَّ المُنافقين يُخفون في أنفُسهِم مِنَ الكُفرِ والشَّكِّ ما لا يُظهِرون، ثم يُخبِرُ اللهُ نبيَّهُ صلى الله عليه وسلم بما كانوا يُخفُونه بينهُم من الحَسرةِ التي أصابتهُم على حضورهِم مع المُؤمِنين في غزوةِ أُحُد، فقال تعالى: (يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا) أي لو كان لنا في هذه الواقعةِ رأسٌ ومشورةٌ و اتَّبَعنا مَنطِقَنا لما جِئنا هُنا وحصَل لنا ما حصَل، ولو كان لنا شيءٌ من الظَّفَر الذي وعَدَ اللهُ به مُحمداً وأصحابه ما قُتِلنا هاهُنا، ثمّ قال الله تعالى بجوابِهِم: (قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ)

فهذا أمرٌ مُقدَّرٌ مِن اللهِ عزَّ وجلّ، وأجلٌ مكتوبٌ لا يُحادُ عنه ولا مناصَ مِنهُ حتى لو كُنتُم في بيوتِكُم التي هي أبعدُ شيءٍ عن مظانِّ القَتل، لأنه لابُدَّ وأن يمضي ما كتبهُ اللهُ في اللَّوْحِ المحفُوظ، ثمّ قال تعالى في آخر الآية: (وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ۗ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) … أي ليختَبِركُم بما جرى عليكُم؛ وليميز الخبيثَ من الطيِّب، ويُظهَرَ أمرَ المُؤمنِ والمنافق للناس في الأقوالِ والأفعال، فاقتضى عِلمُه وحكمتهُ سُبحانهُ أنْ قدَّرَ أسباباَ تظهرُ بها المُخبَّئآت وسرائِرُ الأُمُور، ثم قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ۖ وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ ۗ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٥٥] … يعني بذلك جلَّ ثناؤُه، الذين ولَّوا عَنِ المُشرِكين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومَ أُحُدٍ وانهزموا عنهُم.

قال عبد الرحمن بن عوف: هم ثلاثة: واحدٌ مِنَ المُهاجِرين واثنانِ مِن الأنصار.

وعدَّد ابن جُرَيج أربعة قال: هم عُثمان بن عفّان، والوليد بن عُتبه، وخارجةُ بن زيد، ورفاعةُ ابن المُعلّى.

قال الحسن البصري: فرَّت طائفة منهم، زاغت قليلاً ثُم رجعوا.

حدثنا زائدة عن عاصم عن شقيقٍ أنه قال: لقي عبد الرحمن بن عوف الوليد بن عتبة، فقال له الوليد: ما لي أراك جفوت أميرَ المؤمنين عثمان؟ فقال عبد الرحمن: أبلِغهُ أني لم أفرَّ يوم عَيْنَيْن ولم أتخلف عن بدر ولم أترك سُنَّةَ عمر. قال فانطلق فخبَّر بذلك عثمان، فقال عثمان: أمّا قوله إني لم أفرَّ يوم عَيْنَيْن فكيف يُعيِّرني بذنبٍ قد عفا الله عنه فقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ…﴾ الآية [آل عمران: ١٥٥] .. وأمّا قولهُ إني تخلفت يومَ بدر فإني كُنت أُمَرِّضُ رُقيَّة بنتَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم حتى ماتت، وضربَ لي رسول الله بسهمِه، ومن ضرب له رسول الله بسهمِه فقد شَهِد، وأما قوله إني لم أترك سُنَّةَ عُمر فإني لا أطيقها ولا هو، فأتِهِ فحدِّثهُ بذلك.

هذا وإلى لقاءٍ آخر .. في الحلقة الســـــادســــــــة من :

سلسلة تذكيرالرجال بما أنزل المُتعال في المُتَخَلِّفِينَ عَنِ القِتَال ..

ــــــــــــــــــــ۩ـــــــــــــــــــ

الحلقة السادسة

قد عَلِم كُلُّ عَبْدٍ تدبَّرَ القُرآن الكريم، أنَّ ربّهُ قد فرضَ عليهِ عِباداتٍ لا يَسَعُهُ تركُ بعضِها ولوْ عَنَّتْه، لِئَلاّ يحقَّ عليهِ وعيدُ ربِّهِ أو يُفتنَ عن دينِهِ لإصْرارِهِ على معصيته.

ومِنْ هذهِ العِبادات فريضَةُ القِتالِ في سبيلِ الله، قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) وقالَ النبِيُّ (صلى الله عليه وسلم): ” مَنْ مَاتَ ولَمْ يَغْزُوا ولَمْ يُحَدِّث بهْ نَفْسَهُ مَاتَ على شُعْبَةٍ مِنَ نِفَاق”.

كما أنَّ القتالَ باتَ فَريضَةً مُتعيِّنةً على المُؤمِنينَ دُونَ المُؤمِناتِ والمُعذَّرِين، وقد تبيَّنَ لِكُلّ من اطَّلَعَ على سيرةِ خاتَمِ المُرسَلينَ أنَّهُ (صلى الله عليه وسلم) وصَحابَتَهُ قاتلوا المُشرِكين وجاهَدُوهُم بأموالهِم وأنفُسهِم حتّى أتاهُم اليقين، فما مِنْ مُتخلِّفٍ مِنهُم أو مُعَوِّقٍ لهُم إلا كانَ مِنَ المُنافِقينَ الذين فُضِحُوا بقُرآنٍ يُتلى إلى يومِ الدِّين.

وللحَذِرِ مِنْ أنْ نكُونَ أمثالَهُم، نُبَيِّنُ في هذه السِّلسِلَةِ تَفسيراً لآياتِ الكِتَابِ المُبين، التي نَزَلت في هذا الأمرِ العظيم .

الحمدُ لله الكبيرِ المُتعال، والصلاة والسلام على الضَّحُوك القتَّال، وعلى آلِه وأصحابه الآسادِ في النِّزال، والتابعين ومن تبِعَهُم في الأقوال والأعمال، وبعد:

نتكلَّم في حلقتنا عن ثلاثِ آياتٍ مُتتالِياتٍ مِن أواخِرِ سورةِ آلِ عِمران، تزيدُ المؤمنين إيماناً وتُعرِّفهُم بأقوالِ المنافقين الذين يصُدُّون عن سبيلِ الله وتُحذِّرُهُم من التشبُّهِ بهِم، وما أحوَجَنا اليوم إلى مِثلِ هذهِ الآيات؛ لنتدبَّرها ونُذكِّرَ بها الناس في زمنٍ قلَّ فيه إيمانُ الكثيرين منهُم بقضاءِ اللهِ وقدَرِه، ممَّا أدى إلى ارتِدادِ بعضهم عن دين الله بكلامٍ كُفرِيٍّ قالوهُ مِن حيثُ يشعُرون أو لا يشعُرون.

فننقُلُ بتصرُّفٍ يسير ما جمعناه من أقوالِ أهلِ التفسير بُغيةَ التحذيرِ والتذكِير، ونقولُ مُستعينين بالحكيم الخبير في قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۗ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٥٦]

قال محمد بن اسحاق: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا) أي لا تكونوا كالمنافقين. انتهى قوله

فينهى الله تعالى عبادهُ المؤمنين أن يُشابِهوا الكافرين الذين لا يُؤمِنون بربِّهم ولا بقضائِه وقدرِهِ مِنَ المنافقين وغيرهِم بقوله تعالى: (لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ)

ينهاهُم الله عن مشابهتِهِم في كلِّ شيء وفي هذا الأمرِ الخاص، وهو أنهُم يقولون لإخوانهِم في الدين أو في النسب، (إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ) أي إذا سافروا للتِّجارة، (أَو كانوا غُزًّى) أي غُزاة ثم جرى عليهم قتلٌ أو موت، يُعارِضُون ويقولون: (لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا)، وقولهُم هذا يدلُّ على أنهُم لا يُؤمِنون بقدَرِ الله، وقد نزلت هذه الآية في عبدالله بن أُبَيِ بن سلول وأصحابه المنافقين.

قال القرطبي: يقولون لإخوانهم -يعني في النفاق أو في النسب- في السرايا التي بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى بئرِ مَعُونَة، لو كانوا عندنا ما ماتوا ولا قُتِلوا، وقد قُتِل في حادثة بئرِ مَعُونَة سبعونَ من الصحابة القُرَّاء.

ثم قال الله تعالى: (لِيَجْعَلَ اللهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ) ومعناه يجعل الله تعالى قولَ المنافقين وعقيدتَهُم حسرةً في قلوبهم لعدم يقينهِم وإيمانِهم بقدَرِهِ فتزدادُ مُصيبتهُم، وأمّا المؤمنون بالله فإنهم يعلمون أنَّ الذي أصابهُم إنما هو بقدرِ الله، وهم على يقينٍ بالرجوع لربِّهِم، فيربِطُ الله على قلوبهم ويُخفِّفُ بذلك عنهُم مصيبتهُم، ثم قال تعالى: (وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ) وهذا ردٌّ على قولهم واعتقادهم، أي هو سبحانه المُحيي المُمِيت ويُعجِّلُ ما يشاءُ ويُؤخِّرُ ما يشاء والآجالِ بقُدرتِه، ثم قال تعالى في آخر الآية: (وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) أي أنَّ الله سبحانه مُطَّلِعٌ على أعمالِ عِبادِه وهو يُجازيهِم عليها. ثم قال تعالى في الآية التالية: ﴿ وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٧]

أي: إذا قُتِلتُم في الحرب والجهاد أو إذا جاءكُم الموتُ وأنتم قاصِدون قتال الكُفَّار فإنَّ ذلك يوجبُ مغفرة الذنوب، وخيرٌ مِن البقاء في الدنيا وجمع حُطامها الفاني. ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن مُتُّم أَو قُتِلتُم لَإِلَى اللهِ تُحشَرونَ﴾ [آل عمران: ١٥٨]

قال محمد بن اسحاق: (وَلَئِن مُتُّم أَو قُتِلتُم) أي : ذلك كائنٌ إذ إلى الله المرجِع، فلا تغُرَّنَّكُم الدنيا ولا تغترُّوا بها، وليكن الجهادُ وما رَغَّبكُم اللهُ فيهِ مِنْه، آثرُعندَكُم منها. -انتهى قوله رحمه الله-

فآثروا أيها المسلمون ما يقرِّبُكُم إلى الله ويوجِبُ لكُم رضاهُ من الجهادِ في سبيلهِ والعملِ بطاعتِه، واعلموا أنه لن تموتَ نفسٌ حتى تستكمِل رِزقها.

ورضي الله عن الصحابي الشاعر الشهيد عبدالله بن رواحة، حيث قال في غزوة مؤتة بعد أن شهد مقتل زيد بن حارثة وجعفر الطيار رضي الله عنهم قال:

يا نفسُ إلاَّ تُقتَلي تموتِي *** هذا حِمَامُ الموتِ قد لقيتِ
وما تمنيتِ فقد أُعطِيتِ *** إِن تَفعَلي فِعْلَهُما هُدِيتِ

أقسَمتِ يا نَفسُ لتَنْزِلَنَّهْ *** طائعةً أو لا لَتُكْرَهِنَّهْ
فطالما قد كُنتِ مُطمَئِنّة *** مالِي أراكِ تكرهينَ الجَنَّةْ

ويكفينا لنحرض أنفسنا على القتل والقتال أن قدوتنا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قد تمنى أن يقتل في سبيل الله فقال: ” والَّذي نَفسُ محمَّدٍ بيَدِه، لوَدِدتُ أنِّي أغزُو في سبيلِ اللهِ فأُقتَلُ، ثمَّ أَغزُو فأُقتَلُ، ثمَّ أغزُو فأُقتَلُ”.

هذا والحمد لله رب العالمين ، انتهينا من :

سلسلة تذكيرالرجال بما أنزل المُتعال في المُتَخَلِّفِينَ عَنِ القِتَال ..

۩ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ۩

:: لا تنسونا من صالح دعائكم ::

التحميل

تحميل بصيغة PDF تحميل بصيغة DOC


(وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ)
(سورة المنافقون الآية 8)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى