قصة شهيد

من خيرة المجاهدين حسبا ونسبا | أبو طارق النعيمي

بسم الله الرحمن الرحيم


صحيفة النبأ العدد 256

من خيرة المجاهدين حسبا ونسبا | أبو طارق النعيمي

من خيرة المجاهدين

حسبا ونسبا

أبو طارق النعيمي

تقبله الله تعالى

إن الأصل في المجاهد في سبيل الله تعالى أن يكون مشتملا على كل الشمائل الحميدة، لأن النفوس الرديئة قلما تقود صاحبها إلى طريق كثيرة أشواكه ومصاعبه قليل فيه الناصر والمعين مثل طريق الجهاد لتكون راية الله تعالى هي العليا، لا لأجل المال والمنصب والجاه والصيت، فإن لم يكن حائزا لتلك الشمائل وجب عليه أن يربي نفسه على تحملها والقيام بها، كما يربّى نفسه على الصبر على الطاعات والبعد عن المعاصي، لأن تلك الشمائل الطيبة مما يحبه الله تعالى، ومما يحبه الناس، ومما يساعده كثيرا على القيام بواجب الدعوة إلى دين الله جل جلاله، ومن غيرها يكون منبوذا بين الناس لا يقبلون منه صرفا ولا عدلا.

ولو نظرنا في صنوف من انتشرت محبتهم وقبولهم بين الناس عموما والمجاهدين خصوصا لوجدنا بالإضافة إلى دينهم وتقواهم، خلقا حسنا ومواقف رجولية مشهودة لهم يعرفها الناس ولو استخفوْا بها عنهم، يذكرونها لهم أبد الدهر كنموذج حي لما يحبون ويطلبون.

ومن أولئك المجاهدين الذين شهد لهم إخوانهم وكل من عرفهم بأنهم جمعوا بالإضافة إلى النسب الحسيني المبارك، حسبا كريما صاغوه بحسن فعالهم وطيب معشرهم وندرة معادنهم، الشيخ المجاهد أبو طارق الفضلي النعيمي الحسيني القرشي تقبله الله تعالى، والي كركوك الأسبق.

عندما دخل الصليبيون أرض الرافدين، كان أبو طارق النعيمي -تقبله الله تعالى- قد بلغ الأربعين من عمره، يحمل همّ أسرته، وهو مقدّم بين عشيرته وفي منطقته، وفي وسط سادته حينها بدع الصوفية وضلالاتهم التي انتشرت كثيرا بين المنتسبين لآل البيت أكثر من غيرهم، فلم يمنعه كل ذلك أن يسلك سبيل الجهاد في سبيل الله مهاجرا من منطقة إلى أخرى حتى كتب الله تعالى له القتل مقبلا غير مدبر، بعد مسيرة حافلة من النكاية في أعداء الله تعالى.


بدايات جهاده

تعرف على المجاهدين وتعلم منهم التوحيد والحرص على السنة، فنبذ ما كان عليه قومه من البدع، وهاجر من مسقط رأسه في منطقة “مخمور” جنوب شرقي الموصل إلى مدينة نينوى، ملتحقا بالمفارز الأمنية التي كان يقود أشرسها آنذاك الشيخان “أبو طلحة الحمداني” و”الملا مهدي” تقبلهما الله تعالى، والتي حققت نكاية كبيرة في الصليبيين والمرتدين في الموصل وما حولها.

وقد شارك رحمه الله في الكثير من المعارك والغزوات بمدينة الموصل، منها كمين كبير للقوات الصليبية على طريق المطار، تكبد فيه الجيش الأمريكي خسائر كبيرة في الأرواح والآليات، حتى ذاع صيته في الموصل وبات مطلوبا للصليبيين، فلم يجد بدا من الهجرة مجددا إلى منطقة كركوك، ليتابع جهاده وهو يجوب مختلف قواطع المجاهدين من جنوب الموصل إلى شمال بغداد، ومن أطراف كركوك إلى بادية الثرثار، مقاتلا تحت لواء الشيخ المجاهد أبي مصعب الزرقاوي تقبله الله.


شمائل حميدة رفعت صاحبها

وفي بدايات جهاده اعتقله مرتدو البيشمركة وأودعوه سجن قاعدة (K1) سيء الصيت، بناء على اشتباههم بكونه من أمراء المجاهدين، وتعرض حينها لتعذيب شديد، لكنه تحمل وصبر وأبى أن يعترف لهم على نفسه أو أي من إخوانه، فلبث في سجنهم قرابة شهر برفقة بعض المجاهدين.

وبعد خروجه من السجن حكى للإخوة بعض أحداث سجنه، واستغرب من قصة جرت مع أحد الإخوة وكان من أمراء المجاهدين، كان المرتدون يأخذونه كل يوم إلى التحقيق فلا يعيدونه إلا والدماء تسيل من جسده كله، فيضمد إخوانه جراحه ويهونون عليه حتى يغلبه التعب فينام، وكان يحدثهم حديث الموقن بفكاك أسره بعد أيام، ومن يسمعونه يشفقون على حاله ويحسبون أنه قد أصابه أمر من شدة التعذيب الذي تعرض له، ثم كانت المفاجأة للجميع بعد يومين أن فتح باب الزنزانة ودعي الأخ لإطلاق سراحه، والإخوة غير مصدقين لما يحدث حتى رأوه من نوافذ السجن وهو يغادر أبوابه.


من قصص شجاعته

وبالإضافة لصبره وجلده، فقد كان رحمه الله تعالى من شجعان الرجال لا يرهبه شيء إلا الله تعالى، مقدما روحه على أرواح إخوانه، ومفضلا القتل على الاستئسار للكافرين.

وروى إخوة أنهم خرجوا مع أبي طارق في مهمة بقاطع (الرياض) لأسر مرتد، وبعد تنفيذ الهدف وانسحابهم من المكان لحق بهم أقارب الأسير يطلبون تخليصه من أيديهم، فلما شعر الإخوة بهم، أعطى أميرهم (أبو طارق) لإخوانه ما معه من سلاح، وطلب منهم الانسحاب بالأسير إلى مكان آمن، وبقي خلفهم ينتظر من يلاحقونه، فلما بلغوه أشهر عليهم سلاحه وهددهم بالقتل فألقى الله تعالى في قلوبهم الرعب وعادوا أدراجهم، ولحق أبو طارق بإخوانه في وقت لاحق بعد أن أمّن عليهم.

وزيادة على شجاعته وإقدامه، رزق الله تعالى الشيخ أبا طارق حسن خلق وهيبة غشاه بهما، وكرما وإحسانا على كل من حوله، ينفق من ماله الخاص على إخوانه وعلى ما يحتاجه الجهاد بقدر استطاعته، فدخلت محبته قلوب كل الناس الذين قابلهم، وصار له قبول في أوساط عشائر المناطق التي كان يجاهد فيها، بالإضافة للمحبة والاحترام الكبير له لدى إخوانه المجاهدين.

وساعده ذلك كله على أن يكون داعيا مقبولا لدى الناس، فهدى الله تعالى على يديه الكثير من الشباب الذين التحقوا بساحات الجهاد، كما تاب بدعوته كثير من المرتدين عادوا إلى دين الإسلام وثبتوا عليه، ومنهم من صار مقاتلا في سبيل الله تعالى بعد أن كان مقاتلا في سبيل الله الطاغوت، وقتلوا تحت راية التوحيد وكانوا على شفا حفرة من النار لو قتلوا تحت رايات الشرك والتنديد.

وبعد إعلان دولة العراق الإسلامية كان من أوائل المبايعين لأميرها الشيخ المجاهد أبي عمر البغدادي تقبله الله تعالى، وتابع جهاده في صفوف جنودها، متنقلا من عمل إلى عمل ومقاتلا في مختلف قواطع كركوك، فأذاق الله تعالى على يديه الصليبيين والمرتدين الأهوال، وفي الوقت نفسه كان لا يدخر جهدا في إعانة إخوانه في بقية القواطع إن كان من ناحية الدعم وتأمين الاحتياجات وإن كان من حيث المشورة وتقديم النصح.


استشهاده تقبله الله

واستمر على حاله تلك حتى ولاه إخوانه ولاية كركوك عام 1429 هـ، فمكث على أمرها شهرا، وفي إحدى الليالي كان يخطط مع اثنين من إخوانه لعمل عسكري، فمكث في المزارع قرب قرية (المحمودية) التابعة لقاطع (الحويجة)، فلما تسرب خبر وجودهم إلى الصليبيين طوّقوا المكان بالمدرعات، ونفذوا إنزالا جويا عليهم بالطائرات، فلم يسلم المجاهدون لهم أنفسهم، وأخذوا بالعزيمة في دينهم، فجابهوهم بالنار، واشتبكوا معهم بما معهم من سلاح خفيف لثلاث ساعات، وأوقعوا في صفوفهم الخسائر، فلما أيس الصليبيون من أسرهم أمروا طائراتهم بتقصف مكان تحصنهم، فقتلوا ثلاثتهم تقبلهم الله تعالى.

قتل أبو طارق تقبله الله تعالى بعد مسيرة طيبة من الجهاد وحسن البلاء، ولحق بأشقائه وأبنائهم الذين قدمهم أمامه من قبل في جهاد الصليبين، فقتلوا تباعا في معارك الموصل، ثم لحقه على دربه المبارك ابنه الأكبر طارق الذي صار فيما بعد من أمراء المجاهدين يقاتل في صفوف الدولة الإسلامية، حتى قتل تقبله الله تعالى في معارك صد الهجوم الرافضي على منطقة (العوجة) بولاية صلاح الدين، نسأل الله تعالى أن يتقبلهم أجمعين، أسرة طيبة وربٌ غفور.

(وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ)
(سورة المنافقون الآية 8)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى