قصة شهيد

أبو رواحة الهندي وشقيقه أبو أسامة بين “أم القنابل” و”هدم الأسوار”

بسم الله الرحمن الرحيم


صحيفة النبأ العدد 255

أبو رواحة الهندي وشقيقه أبو أسامة بين “أم القنابل” و”هدم الأسوار”

هذه قصة شقيقين من الهند هاجروا إلى أرض الدولة الإسلامية فراراً بدينهم، ولم يكن قد مضى على إسلامهم سوى عام واحد، خاضوا جميعاً فصولاً متواصلة من الرباط والقتال ومراغمة الصليبيين والمرتدين في وديان وجبال خراسان فكانوا بحق جبالاً فوق الجبال، بضعة أعوام قضوها في ظلال الشريعة أنستهم عذوبتُها ما لاقوه من محن وشدائد لا بدّ منها في هذا الطريق، ثم أكرمهم الله تعالى بخير خاتمة يتمناها كل مجاهد؛ فقتل أصغرهم في جبهات القتال ثابتاً في خندقه لم يبرحه برغم حمم القذائف وأم القنابل وسلاحه إلى جواره! بينما قتل شقيقه الآخر مهدِّماً أسوار سجن (جلال آباد) في عملية مباركة سطّرها التاريخ، بإذن الله تعالى.

من الهند إلى ولاية خراسان

كانت البداية في صيف عام 1437هـ، عندما وصل ثلاثة إخوة مع عائلاتهم قادمين من الهند إلى ولاية خراسان، طلباً للجهاد في سبيل الله تعالى وسعياً للعيش في ظلال حكم الشريعة الذي غاب عن البشرية لقرون طويلة، وكان اثنان منهم قد أسلما حديثاً قبل عام فقط من وصولهما إلى أرض الجهاد، بعد أن هداهما الله تعالى فآمنا بالإسلام ديناً وتركا الديانة النصرانية إيماناّ وإذعاناً لقوله تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران:85]، وأتم الله نعمته عليهما بأن وفقهما لأداء فريضة الهجرة والجهاد بعد أن هداهما إلى الإسلام؛ إنهما الأخوان: (أبو رواحة الهندي) وشقيقه الأصغر (أبو أسامة الهندي) تقبلهما الله تعالى.

بين ظلال الشريعة وقمم الجبال

لم ينس إخوانهم تلك الابتسامة العريضة التي ارتسمت على محيّاهم، وهم ينخرطون في نمط الحياة الجديدة والعيش في الوديان وعلى قمم الجبال الشاهقة، حين كانوا يقيمون في بيوت طينية متواضعة في وادي (مامند) بمنطقة (أتشين) في (ننجرهار).

ومع أن ظروف العيش كانت قاسية في تلك المنطقة الوعرة، إلا أن صبرهم وشكرهم لله تعالى، كان يُدمع عيون من رآهم، يقول أحد الإخوة.

فقد كانوا دوماً على أتم الاستعداد لقضاء المزيد من الوقت في الخطوط الأمامية للقتال زيادة عن الوقت المحدد لكل مجاهد، وكانوا باستمرار يسألون أميرهم إن كان بإمكانهم قضاء فترة أطول في مقارعة القوات الخاصة الأمريكية برغم القصف الجوي العنيف!

وحتى خلال وجودهم في الخطوط الأمامية كانوا يشاركون إخوانهم في مهام حفر الخنادق ويساعدونهم في طهي الطعام للمقاتلين، أما أوقات الراحة عندهم، فكانت عبارة عن قراءة القرآن مع التفسير بالإنجليزية وأداء الصلوات والعبادات، فكان شغلهم جهاد وراحتهم طاعة، وكانوا يدعون الله تعالى ويلحون عليه أن يرزقهم الشهادة في سبيله وأن تسيل دمائهم وهم يقاتلون أعداءه.

يقول إخوانهم: رؤيتهم كانت أمراً لا يصدق، كيف أنه لم يمض على إسلامهم سوى عام واحد، وهم الآن يتقدمون صفوف المجاهدين بل ويتفوقون على بعض من سبقهم إلى هذا الطريق في كثير من المزايا والخصال، وتلك أعظم نعمة ينعمها الله تعالى على عباده أن يوفقهم إلى الإيمان به ويعينهم على ذلك.

ثبات وصمود برغم “أم القنابل”

مرت الأيام والشهور والإخوة في جهادهم ماضون، ومع اقتراب ربيع عام 1438هـ شنت القوات الأمريكية والجيش الأفغاني حملة كبيرة على مناطق الدولة الإسلامية شرقي أفغانستان تحديداً وادي (مامند) الذي حكمه المجاهدون بشريعة الإسلام طوال عامين ونصف، حيث تصدى لهم المجاهدون بكل ما أوتوا من قوة وألحقوا في صفوفهم خسائر عديدة، عندها لم يكن أمام الأمريكان إلا استخدام ترسانتهم العسكرية المتطورة في قصف المنطقة التي استعصت عليهم، حيث قامت الطائرات الأمريكية في منتصف رجب عام 1438هـ بقصف الوادي بـ “أم القنابل” التي تزن 10 أطنان، واستمر القصف الأمريكي على مدار شهرين بكل أنواع القنابل والصواريخ الأمريكية من صواريخ “كروز” إلى الصواريخ الموجهة بالليزر، وعبر طائرات الآباتشي و وطائرات “إم-سي-130″، ناهيك عن قصف الهاون والمدفعية التي كانت تتساقط يومياً بالمئات، كل ذلك والمجاهدون وبينهم (أبو رواحة) وشقيقه (أبو أسامة) صامدون ثابتون.

الصبر على فراق الشقيق الأصغر

وفي أحد أيام القصف العنيف، وبعد الظهر تحديداً، قصفت الطائرات الأمريكية موقعاً للمجاهدين بأكثر من 10 صواريخ دفعة واحدة، وبعد أن انقشع الغبار ذهب المجاهدون لتفقد الموقع المستهدف وانتشال جثث إخوانهم، وإذا بهم يجدون جثة أبا أسامة الهندي الشقيق الأصغر لأبي رواحة، و هو مستلقٍ في خندقه وبجانبه سلاحه وقد تمزق جسده جراء شظايا الصواريخ التي انهالت عليه مع إخوانه الذين ثبتوا في خنادق القتال ولم يلفتوا وجوههم.

وفي عصر اليوم نفسه وصل خبر مقتله إلى شقيقه الأكبر (أبي رواحة)، يقول أحد الإخوة: كنت معه حين جاءه الخبر، لم أرَ شخصاً صبوراً و شاكراً لربه مثله، لقد استقبل الخبر بترديد: “إنا لله وإنا إليه راجعون”. لقد كان شريكه في الهجرة والجهاد، وشقيقه الأصغر الذي اعتنق الإسلام معه وهاجر معه، والآن يفارقه دون سابق إنذار، بل لم يحزن في ذلك اليوم إلا على أنه لم يُقتل إلى جانبه شهيداً في سبيل الله تعالى. فأي صبر هذا وأي ثبات يسطره هذا الرجل الذي ما زال حديث عهد بإسلام؟!

فشل الأمريكان في إحداث تقدم

واستمر أبو رواحة مع إخوانه يقارعون القوات الأمريكية والأفغانية المرتدة، في تلك الوديان والجبال التي كانت شاهدة على أشد المعارك وأعنفها والتي لم يعرف العالم عن تفاصيلها إلا القليل، والتي استنزفت الصليبيين والمرتدين على مدار عامين أو يزيد -بين عام 1438هـ وحتى أوائل عام 1441هـ.

وطوال تلك الفترة كنت لا ترى (أبا رواحة) إلا متقدماً الخطوط الأمامية في الصف الأول للقتال، في أول المقتحمين لمواقع وثكنات المرتدين، أو في أول المدافعين والمنافحين عن ثغور المسلمين وأعراضهم.

وبعد أن شعرت القوات الأمريكية باليأس من مواصلة القتال ضد مجاهدي الدولة الإسلامية على الرغم من قصف مناطقها بأكثر من 2000 غارة جوية، إلى جانب عدد لا يحصى من قذائف الهاون والمدفعية الثقيلة؛ لم يكن أمام أمريكا إلا أن تلقي عبء الاستنزاف عن كاهلها وتشرك به أطرافاً أخرى أقل ثمناً وأكثر خسة.

تحالف طالبان مع عبدة الصلبان

وبينما كان المجاهدون يصدون عادية الصليبيين ويسطرون أروع ملاحم البطولة ضدهم، جاء دور ميليشيا طالبان بعد أن سرّعت أمريكا خطوات السلام معها ليتسنى لطالبان اللحاق بحلف الشيطان، حيث كونوا حلفاً كفرياً شاركت فيه القوات الباكستانية والميليشيات المحلية من الشرق، والقوات الأمريكية والجيش الأفغاني من الغرب، وطالبان وميليشيات محلية أخرى من الشمال والجنوب.

اتحدوا جميعا في حلف واحد لمهاجمة مناطق الدولة الإسلامية وبتغطية وتمهيد جوي مباشر من الطيران الأمريكي، وتم قطع جميع طرق الإمداد الغذائي عن مناطق المجاهدين وعوائلهم، وبدأ القصف العشوائي الذي لم يسلم منه النساء ولا الأطفال الصغار ولا حتى البهائم فأحرقت طائراتهم كل ما يتحرك على الأرض.

ومع ذلك استمر المجاهدون في قتال هؤلاء الأعداء كافة لأكثر من 3 أشهر حتى آخر نفس، وسط شح الطعام ونقص الذخيرة بسبب الحصار الذي تشارك المرتدون في إطباقه على مناطق المجاهدين، حتى تمكنوا من الانحياز مع عوائلهم من المنطقة إلى مناطق أخرى في أفغانستان، بعد أن كان الصليبيون والمرتدون يؤمّلون بأن يبيدوا القوة البشرية للموحدين بالكامل في تلك المنطقة، إلا أن الله تعالى خيّب ظنهم.

من الجبال إلى حروب المدن!

وبعد الانحياز من تلك المناطق الجبلية، بدأت مرحلة أخرى من مراحل الجهاد، تمثلت بانطلاق العمليات داخل مدن العدو، حيث نفذ المجاهدون سلسلة من العمليات الجريئة والنوعية في وسط المدن التي كان يتبجح المرتدون بأنها آمنة، وعلى رأسها العاصمة (كابل) حيث كان لها أوفر الحظ والنصيب من هذه الهجمات التي بددت أوهامهم وأحلامهم بالنصر المزعوم الذي سرعان ما انقلب عليهم وبالاً ونكالاً وهم يتعرضون لعمليات استنزاف متواصل تمنوا لو أنه بقي مقتصراً على المناطق الجبلية والوديان النائية. وكان من أبرز هذه العمليات، الضربة الموجعة التي تلقاها المرتدون في مدينة (جلال آباد) بالهجوم على السجن المركزي في المدينة، وإمطار القاعدة الأمريكية بعشرات قذائف الهاون، في معركة استمرت لنحو يوم كامل وأسفرت عن سقوط عشرات القتلى والجرحى في صفوهم وهدم أسوار السجن المحصّن وتحرير نحو 300 أسير من المجاهدين.

فاضت روحه في هدم الأسوار

كان الأخ أبو رواحة الهندي تقبله الله هو من حاز شرف بدء الهجوم مفجّراً سيارته المفخخة على بوابة السجن فاتحاً الطريق لمفارز الاقتحام من خلفه، معلناً انطلاق مرحلة جديدة من مراحل النكاية والإثخان في المرتدين.

انطلق أبو رواحة تقبله الله والسرور حاديه ولم تمنعه صورة طفليه المبتسمين من أن يقدم على العملية الاستشهادية ويجود بنفسه ويقدّمها قرباناً في سبيل الله تعالى نصرة للإسلام الذي آمن به قبل سنوات فقط بينما يقضى كثير من المنتسبين للإسلام عشرات السنين ولم يفعلوا عشر معشار صنيع أبي رواحة.

عاش أبو رواحة خمس سنوات فقط في الإسلام! قضى أربعة منها في أرض الجهاد، لكنه حفر ذكراه العطرة في قلوب جميع إخوانه المجاهدين السائرين على دربه من بعده، وستبقى ذكراه وذكرى شقيقه الأصغر تواسي المجاهدين وتسليهم في طريقهم نحو إحدى الحسنين، وتذكرهم أن الحياة في سبيل الله تعالى مهما قصرت فهي عظيمة، ولا يلقاها إلا الذين صبروا ولا يلقاها إلا ذو حظ عظيم.

(وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ)
(سورة المنافقون الآية 8)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى